المناطق الحرة والتبادل التجاري مع دول الجوار “نوافذ الأمل ورئة تتنفس بها البلاد
مهدي عبدالله حامد

مهدي عبدالله حامد
يواجه الإنسان السُّوداني اليوم تحديات معيشية جسيمة تتجاوز حدود الوصف العادي، حيث تتقاطع الظروف الأمنية مع الواقع الاقتصادي لتنتج مشهدا يتطلب تدخلا عاجلا وحكيما، فالولايات والمناطق التي تقع تحت سيطرة قوات التأسيس تعاني من اختناق تجاري غير مسبوق وهذا الاختناق يتمثل في غياب المنصات التسويقية والأسواق البديلة التي كانت تشكل الرئة التي يتنفس من خلالها المنتج الصغير والكبير على حد سواء، مما أدى إلى تراجع حاد في القدرة الشرائية وانهيار في مستويات الدخل اليومي للأسر التي تعتمد كليا على ما تجود به الأرض وما تنتجه الأنعام.
إذ تمثل الثروة الحيوانية في هذه المناطق، من إبل وأبقار وأغنام، العمود الفقري للاقتصاد المحلي ومصدر الفخر والرزق التاريخي لها، ولكن غياب المسارات التصديرية والأسواق المنظمة جعل هذه الثروة عبئا على أصحابها بسبب تكاليف الرعاية مع انعدام العائد المادي، وهو أمر يهدد بتآكل رأسمال الوطني الحيوي الذي يمثل ضمانة الأمن الغذائي، إضافة إلى ذلك نجد أن المحاصيل النقدية الاستراتيجية كالفول السوداني والصمغ العربي والسمسم والكركدي وغيرها تعاني من التكدس في المخازن التقليدية، مما يعرضها للتلف والضياع ويحرم الدولة والمواطن من عملات صعبة وموارد مالية هم في أمس الحاجة إليها لتسيير تفاصيل حياتهم اليومية.
وكما ان تراكم الغلال والمحاصيل دون وجود منافذ بيع أدى إلي خسارة مالية فادحة، الأمر الذي مثل جرح في جسد الاستقرار الاجتماعي، لأن تعطل الدورة الاقتصادية يؤدي مباشرة إلى الفقر وتدني الخدمات الصحية والتعليمية، ومن هنا تنبثق الضرورة الملحة لإيجاد بدائل مبتكرة تتجاوز النمطية التقليدية في الإدارة، وتستثمر في الواقع الجغرافي الماثل، حيث تسيطر قوات تأسيس على شريط حدودي ممتد يربط السودان بخمس دول هي إثيوبيا وجنوب السودان وأفريقيا الوسطى وتشاد وليبيا، وهذا الموقع الجغرافي يمثل فرصة ذهبية إذا ما تم التعامل معه بعقلية اقتصادية منفتحة ورشيدة.
حيث تتجلى الحكمة في تحويل هذه الحدود من نقاط تماس قلقة إلى مناطق حرة ومراكز للتبادل التجاري الدولي، حيث يمكن لهذه المناطق أن تكون نقاط التقاء للمنتجين السودانيين مع المشترين من دول الجوار والمستثمرين الدوليين، لأن إنشاء هذه المناطق الحرة سيسهم في تفريغ شحنات الإنتاج المتكدسة، ويخلق طلبا جديدا يعيد الروح للأسعار المحلية، ويحفز المزارعين والرعاة على استمرار الإنتاج بدلا من اليأس والمعأناة، وكما أن التبادل التجاري المنظم تحت إشراف لجان فنية وخبراء سيضمن جودة السلع وانسيابها وفق المعايير الدولية، مما يرفع من قيمة المنتج السوداني في الأسواق الإقليمية، إذ
إن تفعيل بروتوكولات التجارة الحدودية مع دول الجوار أمر حيوي واستراتيجي، وفي نفس الوقت هو استحقاق إنساني تفرضه وقائع الحياة، فالأسر السودانية التي كدت واجتهدت في زراعة أرضها وتربية ماشيتها تستحق أن تجني ثمار جهدها، وتفعيل هذه المقترحات سيؤدي إلى خفض حدة التوتر المعيشي ويوفر السلع الأساسية التي قد تفتقر إليها تلك المناطق عبر عمليات المقايضة أو التجارة المنظمة، بالإضافة إلى ذلك فإن هذه الخطوة ستعزز من أواصر العلاقات الاجتماعية والاقتصادية مع الشعوب المجاورة، مما يسهم في خلق مناخ من الاستقرار والتعاون الإقليمي الذي يخدم الجميع في المدى القريب والبعيد.
فيجب أن ينظر صانع القرار والقوى المؤثرة إلى هذا الملف بموضوعية وتجرد، بعيدا عن التجاذبات السياسية الضيقة، فالمسألة تتعلق بإنقاذ وطن من شبح الجوع والضياع الاقتصادي، وإن تشكيل بيوت خبرة تضم اقتصاديين وإعلاميين وقانونيين لوضع الأطر التنظيمية لهذه المناطق الحرة سيعطي طابعا من الثقة والمصداقية للعملية التجارية، ويشجع الشركات الكبرى على الدخول كوسطاء ومسوقين، مما يضمن تدفق السيولة النقدية وتحسين مستوى المعيشة بشكل ملموس، ويحول دون تلف الموارد القومية التي لا تعوض.
فيظل الأمل معقودا على بصيرة العقلاء في تحويل هذه المحنة إلى منحة، عبر فتح نوافذ الأمل والتجارة، وإن التاريخ سيذكر بتقدير كل خطوة شجاعة اتخذت لحماية كرامة المواطن السوداني وتأمين رزقه، وتظل المناطق الحرة والتبادل التجاري مع الجوار هي الطريق الأضمن والحل الأنجع لمعضلة الإنتاج المعطل، وضمان بقاء السودان بلدا معطاءً ومنتجا رغم الصعاب، ومساهما فاعلا في محيطه الإقليمي والدولي بفضل ثرواته التي لا تنضب وعزيمة إنسانه التي لا تلين.




