رأي

معركة الرمال العطشى: هل الذهب مجرد “ستار دخاني” للهيمنة المصرية على مياه السودان؟

عماد جدو

 

​عماد جدو

​بينما يستغرق الرأي العام السوداني في ملاحقة بريق الذهب والأرقام المتصاعدة لثرواته الحيوانية والزراعية، تجري في الخفاء والعلن هندسة لواقع جيوسياسي مرعب تستهدف تجريد السودان من أثمن ما يملك: سيادته المائية. إن المشهد الراهن يتجاوز بكثير ترف النقاش حول الموارد التقليدية، ليضعنا أمام الحقيقة العارية: الذهب ليس سوى “ستار دخاني” لمعركة المياه القادمة التي تقودها القاهرة لحماية أمنها على حساب الوجود السوداني.

​وهم الأخوّة و”أكذوبة” الموقف من سد النهضة

​لقد سقطت الأقنعة عن الموقف المصري تجاه سد النهضة الإثيوبي. فالحقيقة التاريخية التي غُيبت عمداً عن وعي السودانيين هي أن غضب القاهرة وصراخها الدبلوماسي لم يكن يوماً دفاعاً عن مصالح الخرطوم، بل كان وقوفاً شرساً ضد ما يعود على السودان من فوائد استراتيجية.

​إن سد النهضة يمثل للسودان كبحاً لجماح الفيضانات المدمرة وتنظيماً منقذاً لجريان المياه، وهو ما يعني ببساطة: امتلاك السودان لأول مرة القدرة على التحكم في ري أراضيه الشاسعة وتحقيق استقلاله الزراعي. هذا الاستقلال هو التهديد الأكبر لمصر، التي قامت استراتيجيتها عبر العقود على إبقاء السودان عاجزاً عن استخدام قطرة واحدة تزيد عن حاجته البدائية، ليبقى الفائض التاريخي يتدفق مجاناً نحو بحيرة ناصر.

​نهب مقنن: قصة “سُلفة” المياه التي تحولت إلى حق مكتسب

​منذ اتفاقية مياه النيل لعام 1959، نالت مصر نصيب الأسد في قسمة جائرة، ولم يكتفِ النظام المصري بذلك؛ بل استغل عجز السودان البنيوي عن استغلال حصته الكاملة. وتحت بند “التسليف” المقنن في الاتفاقية، قامت الخرطوم بمنح أجزاء من حصتها المائية للجارة الشمالية على سبيل القرض المؤقت.

​اليوم، تحول هذا “السلف” إلى استنزاف مفتوح. ومع اندلاع الحرب الكارثية في السودان، وما أحدثته من هشاشة قاتلة في بنيان الدولة وتوقف شبه كامل للنشاط الزراعي المروي، انقضت القاهرة لتحقيق فائدة قصوى من هذا الوضع المأساوي. لقد تحولت دماء السودانيين وحربهم إلى شريان حياة إضافي للاقتصاد الزراعي المصري، الذي يتغذى على حصة السودان المغتصبة بحكم الأمر الواقع.

​الحوض النوبي الجوفي: الجائزة الكبرى تحت رمال الشمال

​إذا كانت مياه النيل تخضع للتجاذبات، فإن الأطماع المصرية الحقيقية تتحرك وفق استراتيجية أعمق في شمال السودان؛ حيث يقبع الحوض النوبي الجوفي (نظام الحجر الرملي النوبي للمياه الجوفية). هذا المورد الأحفوري غير المتجدد، الذي يمثل أكبر خزان مياه جوفية في العالم بحجم مذهل يصل إلى 150,000 كيلومتر مكعب، يقع قلبه النابض ومنصته الرئيسية داخل الأراضي السودانية (الولاية الشمالية والصحراء النوبية).

​المفارقة الصادمة: في الوقت الذي تسخر فيه النخب السودانية إعلامها للحديث عن مناجم الذهب العشوائية والحدود، تتحرك مراكز القرار في القاهرة بناءً على خرائط الهيدرولوجيا.

​تتوسع مصر بشكل سرطاني في مشروعات استصلاح عملاقة في صحرائها الغربية (مثل مشروع شرق العوينات وتوشكى)، معتمدة بشكل أساسي على السحب الجائر والمكثف من هذا الحوض المشترك. وبسبب الطبيعة الجيولوجية، فإن السحب المصري المفرط يؤدي مباشرة إلى خلخلة الهيدروليكية المائية وسحب المياه المخزونة تحت الرمال السودانية دون دفع أي ثمن، مستغلة غياب الإرادة والرقابة السودانية.

​هل الذهب مجرد ستار لمعركة المياه القادمة؟

​الذهب ينضب، والماشية تفنى، أما المياه العذبة في القرن الحادي والعشرين فهي أصل البقاء وبديل النفط في صراع الوجود. إن انشغال العقل السياسي السوداني بالهوامش وترك الأصول هو الخطيئة الاستراتيجية الكبرى.

​مصر لا تتحرك في شمال السودان من أجل تجارة حدودية أو تنسيق أمني؛ بل تتحرك لتأمين “خزان الوجود المائي” الخاص بها من خلال إبقاء السودان في حالة “غيبوبة سياسية واقتصادية”. إن إستراتيجية القاهرة واضحة: الاستحواذ على حصة النيل عبر استغلال ظروف الحرب، وتجفيف الخزان الجوفي المشترك عبر مشروعاتها أحادية الجانب.

​خاتمة: النداء الأخير قبل الجفاف التام

​إن التحدي الحقيقي أمام السودان اليوم يتجاوز لغة الرصاص الحالية؛ إنه معركة الوعي. إننا مطالبون بـ:

​الوقف الفوري لمنطق “تسليف” المياه لمصر وإلغاء أي تفاهمات تسمح بالاستغلال المجاني لحصتنا.

​تأسيس مفوضية وطنية سيادية لإدارة الحوض النوبي الجوفي ووقف أي تمدد أو سحب مصري جائر.

​الاعتراف بأن الأمن المائي السوداني يتحقق بتنظيم النيل عبر مشروعات مثل سد النهضة، وليس بالتبعية الأعمى للأجندة المصرية.

​وعندما تضع الحرب أوزارها، وتنقشع ألسنة اللهب عن مناجم الذهب، سيدرك السودانيون – ربما بعد فوات الأوان – أن الرمال التي دافعوا عنها لبريق أصفر، كانت تخفي تحتها شريان حياتهم الذي استبيح بالكامل في وضح النهار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!