ما بعد الجوار: مصر وترحيل اللاجئين السودانيين… سقوط القيم وتعرية الدور الإقليمي
ابو عبد الله الراشدي

أبو عبدالله الراشدي
حين تُنتهك الكرامة باسم الجغرافيا، يسقط القناع عن السياسة، ويعلو صوت المظلوم فوق كل اعتبار.
من ملاذٍ مفترض إلى فضاءٍ طارد
لم يكن السودانيون الذين عبروا الحدود شمالاً باحثين عن رفاه أو مغامرة. خرجوا تحت دويّ المدافع، ومن رماد البيوت، ومن انهيار الدولة ومؤسساتها، ومن حربٍ تجاوزت حدود المعقول والإنسان. ذهبوا وهم يعتقدون أن الجوار، بما يحمله من تاريخ وجغرافيا ومصير مشترك، يمكن أن يمنحهم حدًّا أدنى من الأمان. لكن ما واجهوه لاحقًا كان صادمًا: توقيفات تعسفية، تضييق متعمد، وعمليات ترحيل قسري تُنفّذ بلا اكتراث بحقائق الحرب الدائرة داخل السودان. إن المنفى، حين يفقد معناه الأخلاقي، يتحول إلى امتدادٍ آخر للحرب. وهذا ما يحدث فعليًا اليوم، حيث يُعامل اللاجئ لا بوصفه إنسانًا منكوبًا، بل كعبء يجب التخلص منه، ولو على حساب حياته وكرامته.
خرق فاضح للقانون الدولي وامتهان للمواثيق
ما يجري لا يمكن تبريره أو تغليفه بأي خطاب سيادي أو أمني. فالقانون الدولي الإنساني واضح وصريح: مبدأ عدم الإعادة القسرية يُعد حجر الزاوية في حماية اللاجئين، ويمنع منعًا باتًا إعادة أي شخص إلى بلد قد يواجه فيه خطر الاضطهاد أو الموت أو المعاملة اللاإنسانية. إن ترحيل السودانيين في هذا التوقيت، وفي ظل استمرار النزاع المسلح، يمثل انتهاكًا مباشرًا لهذه القاعدة الآمرة. كما أن هذه الممارسات تتصادم مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ومع اتفاقية مناهضة التعذيب، التي تحظر تسليم أي إنسان إلى مصير يُحتمل فيه التعذيب أو الإهانة. إن تجاوز هذه النصوص لا يسيء فقط إلى اللاجئين، بل ينسف ما تبقى من مصداقية النظام الدولي لحماية الحقوق.
الأمن ذريعة… والإنسان هو الضحية
الحديث عن «الاعتبارات الأمنية» صار شماعة جاهزة لتعليق كل الانتهاكات. غير أن الحقيقة البسيطة تقول إن اللاجئين السودانيين ليسوا تهديدًا لأحد؛ هم عائلات، نساء، أطفال، وطلاب، فقدوا كل شيء تقريبًا. الأمن الحقيقي لا يُبنى بالقمع، ولا بالترحيل القسري، بل بسياسات عقلانية: تنظيم قانوني، تسجيل عادل، تنسيق شفاف مع آليات الحماية، واحترام صارم لكرامة الإنسان. إن شيطنة الضحايا لا تصنع دولة قوية، بل تكشف عن هشاشة أخلاقية، وتؤسس لعداوات طويلة الأمد بين الشعوب، وهي كلفة سياسية لا يمكن إنكارها
توظيف اللجوء في لعبة الحرب والسياسة
الأخطر من الانتهاكات ذاتها هو السياق الذي تُمارس فيه. فعمليات التضييق والترحيل لا تنفصل عن محاولات دفع السودانيين قسرًا نحو العودة إلى مناطق الصراع، تحت دعاوى «الاستقرار» و«عودة الحياة». هذه الدعوات، في جوهرها، مضللة وخطيرة، لأنها تتجاهل واقع الحرب، وتستخدم المدنيين كأدوات في معركة سياسية وعسكرية. إعادة اللاجئين قسرًا لا تعني إنهاء الحرب، بل تعني تغذيتها، وإطالة أمدها، وتحويل الإنسان الأعزل إلى وقود جديد لنزاع لم يختره.
الوجه الحقيقي للجوار… تاريخ من الإجحاف والتآمر
ما يحدث اليوم يعيد إلى الواجهة سؤالًا أكبر: أي جوار هذا؟ فالعلاقة مع السودان، عبر عقود، اتسمت بعدم التكافؤ، وباتفاقيات مجحفة، خصوصًا في ملف مياه النيل، حيث جرى بناء مصالح الدولة المصرية على حساب موارد السودان وحقوقه التاريخية. لم يقف الأمر عند ذلك، بل امتد إلى استغلال الثروات، وتدخلات سياسية متكررة، وتآمر على تطلعات الشعوب السودانية كلما اقتربت من بناء دولة مستقلة الإرادة. اليوم، مع ترحيل اللاجئين، يتأكد أن ما كان يُظن سوء نية عابرًا، هو في حقيقته نهجٌ متكامل، يتكرر كلما سنحت الفرصة، بلا اعتبار للأخوة أو حسن الجوار.
الصمت جريمة… والمسؤولية لا تسقط بالتقادم
في أزمنة الكوارث، لا يُحاسَب الفاعل وحده، بل يُدان أيضًا كل من صمت أو تواطأ أو اختبأ خلف المجاملة السياسية. إن الجهات المسؤولة عن حماية السودانيين في الخارج مطالبة اليوم، لا غدًا، بموقف فعلي، لا شكلي. التحرك الجاد، الضغط الحقيقي، ووضع خطط واضحة لحماية الناس، هي الحد الأدنى من الواجب الوطني. كما أن على المجتمع الإقليمي والدولي أن يدرك أن أي دعم لمسارات الإعادة القسرية هو دعم مباشر لاستمرار الحرب. حماية اللاجئين ليست عملًا خيريًا، بل التزام أخلاقي وقانوني، واختبار حقيقي لادعاءات الدفاع عن حقوق الإنسان.
إن التاريخ لا ينسى، والحقوق لا تموت، والعدل وإن تأخر لا يسقط. وما يجري اليوم سيظل شاهدًا على مرحلة كُشفت فيها الوجوه، وسقطت الأقنعة، وبقي الإنسانوحده في مواجهة منظومة قسوة عابرة للحدود.




