
صالح السليمي
بينما تتواصل الحرب في السودان عاماً بعد عام، تتعاظم المأساة الوطنية وتتسع دائرة الخسائر بصورة تجعل من وقف القتال القضية الأكثر إلحاحاً في حياة السودانيين اليوم. فالحرب لم تترك جانباً من جوانب الحياة إلا وأصابته بالضرر؛ إذ دمرت البنية الاقتصادية، وعطلت الإنتاج، وأغلقت أبواب الرزق أمام ملايين المواطنين، كما دفعت أعداداً هائلة من الأسر إلى النزوح واللجوء، وحولت حياة الناس إلى صراع يومي من أجل البقاء.
لقد دفعت البلاد ثمناً باهظاً لهذه الحرب العبثية، ليس فقط من دماء أبنائها ومواردها الاقتصادية، وإنما من وحدتها الاجتماعية وتماسكها الوطني. فقد فرقت الحرب بين الناس، وعمقت مشاعر الريبة والانقسام، وأعادت إلى السطح خطابات الكراهية والتمييز والإقصاء التي ظلت لعقود من الزمان تشكل أحد أكبر معوقات بناء الدولة السودانية الحديثة. وفي الوقت الذي يتطلع فيه العالم نحو التنمية والتقدم، يجد السودان نفسه أسيراً لصراع يبدد إمكاناته ويستهلك طاقاته ويؤجل مستقبله.
والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن استمرار الحرب لا يحمل في طياته حلاً لأي طرف من الأطراف. فكل يوم إضافي من القتال يضيف أعباء جديدة على الوطن ويضاعف معاناة المواطنين. وكلما طال أمد الحرب ارتفعت كلفتها الإنسانية والاقتصادية والسياسية، وتعقدت فرص الوصول إلى تسوية مستقرة. غير أن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في حجم الدمار الحالي، بل في ما قد تفضي إليه الحرب مستقبلاً من تهديد لوحدة السودان نفسها، إذا استمرت حالة الاستقطاب والانقسام وانسدت آفاق الحل السياسي.
من هنا يصبح البحث عن تسوية تفاوضية عادلة ومتوازنة ضرورة وطنية لا غنى عنها. فالحروب مهما اشتدت لا تنتهي بالحسم العسكري وحده، وإنما تنتهي عندما تدرك الأطراف المتصارعة أن مصلحة الوطن أعلى من حسابات المكاسب والخسائر. إن التفاوض ليس علامة ضعف، كما يصوره البعض، بل تعبير عن الحكمة والمسؤولية، وإقرار بأن إنقاذ الأرواح والحفاظ على وحدة البلاد يجب أن يتقدما على كل الاعتبارات الأخرى.
كما أن بناء السودان الجديد لا يمكن أن يقوم على الكراهية أو الانتقام أو نفي الآخر. فهذه المشاعر تغذي الصراعات، لكنها لا تبني دولة ولا تصنع سلاماً. إن الوطن الذي نحلم به يحتاج إلى الاعتراف المتبادل بين أبنائه، وإلى ترسيخ قيم المواطنة والعدالة والمساواة، بعيداً عن أي تصنيف يقوم على الجهة أو القبيلة أو العرق أو الانتماء السياسي.
إن السودانيين جميعاً، في الشرق والغرب والشمال والوسط وسائر أنحاء البلاد، متساوون في الحقوق والواجبات، ومتساوون في حقهم في الانتماء إلى هذا الوطن. وليس من حق أي جهة أن تحتكر تعريف الهوية الوطنية أو أن تمنح الآخرين حق الانتماء أو تسلبه منهم. فالسودان لم يكن يوماً ملكاً لفئة دون أخرى، ولن يكون مستقبله آمناً إلا إذا شعر جميع أبنائه بأنهم شركاء متساوون في الحقوق والفرص والمسؤوليات.
لقد أثبت التاريخ السوداني أن سياسات الإقصاء والتهميش لا تنتج استقراراً دائماً. وما جرى في جنوب السودان يمثل درساً بليغاً حول مخاطر تجاهل المظالم الحقيقية أو التعامل معها بعقلية الهيمنة والاستبعاد. واليوم، فإن تكرار الأخطاء نفسها في أي جزء من البلاد لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وإطالة أمد المعاناة الوطنية.
إن المطلوب من جميع القوى السياسية والمجتمعية، ومن كل السودانيين الحريصين على مستقبل بلادهم، أن يلتفوا حول مشروع وطني يقوم على وقف الحرب أولاً، ثم الشروع في حوار شامل يعالج جذور الأزمة ويؤسس لدولة العدالة والمواطنة المتساوية. فليس مطلوباً أن يتفق الجميع على كل شيء، وإنما أن يتفقوا على الحد الأدنى الذي يحفظ الوطن ويمنع انهياره ويصون وحدته.
لقد آن الأوان لأن يدرك الجميع أن لا منتصر في هذه الحرب، وأن الخاسر الحقيقي هو السودان وشعبه. ولذلك فإن وقف الحرب لم يعد مجرد مطلب سياسي أو إنساني، بل أصبح واجباً وطنياً وأخلاقياً، وفريضة غابت طويلاً عن سلم الأولويات. وإذا كان هناك طريق لإنقاذ السودان من أزمته الراهنة، فإنه يبدأ بإسكات صوت البنادق وفتح أبواب الحوار، لأن السلام وحده هو القادر على إعادة بناء الوطن واستعادة الأمل في مستقبل يستحقه جميع السودانيين.




