
د. خالد تارس
في السياسة الدولية هناك لحظات لا تُقاس بما يُقال فيها، كما تقاس بما يُفهم منها. من الواضح ان السودان اليوم يقف عند واحدة من أثقل اللحظات، حيث لم تعد الإشارات الأمريكية مجرّد ضغط (دبلوماسي)..هي إنذار أخير من دونالد ترامب كتوب بلغة الحسم والضربة المباشرة. ان تغريدة المستشار مسعد بولس والتي شدد فيها على أن ترامب لا يعرف (المزاح).. وإذا تحدث فعل، لم تكن زلة لسان ولا حماسة زائدة من بولس، بل رسالة مرسلة بعناية لتصل إلى من يعنيهم الأمر، وتحديداً قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وشركاؤه الفعليون، الذين يفضلون الظهور بزي الدولة بينما يفكرون بعقلية التنظيم.!
ان التحذيرات الأمريكية من أي تعاون عسكري بين الجيش وروسيا على ساحل البحر الأحمر لم تأتِي في سياق النصيحة، بل تاتي في سياق رسم الحدود. لان البحر الأحمر في العقل الاستراتيجي لواشنطن ليس مساحة سيادية لدولة مأزومة تبحث عن حلفاء، بل ممر دولي حساس ومنطقة نفوذ لا تقبل المناورات التي اعتادها الإسلاميون منذ عقود. وحين يلوّح البرهان بخيارات مفتوحة شرقاً فهو لا يرسل رسالة بقدر ما يضغط على ِزر إنذار في البيت الابيض لتذكيره بأن داخل الجيش عقلاً سياسياً قديماً لم يتعلم شيئاً من سقوط البشير..!
هنا بالضبط تصبح السخرية جزءاً من التحليل. فالإخوان المسلمون الذين تسببوا في عزلة السودان لعقود، يتصرفون اليوم وكأنهم خبراء توازنات دولية، ويوزعون الإشارات بين موسكو وواشنطن غير مدركين أن العالم الذي كانوا يناورون فيه تسعينيات القرن الماضي لم يعد موجوداً. هؤلاء يظنون أن الاحتماء بالجيش سيوفر لهم غطاءً (سيادياً).. وأن الحرب الحالية فرصة لإعادة التموضع والعودة إلى قلب السلطة، بينما واشنطن تقرأ المشهد بطريقة أكثر قسوة، وترى تنظيماً (أيديولوجياً) يستخدم المؤسسة العسكرية لإعادة إنتاج نفسه ويغامر بإقحام السودان في صراع دولي أكبر من قدرته على الاحتمال.!
ان استدعاء سيناريو فنزويلا في الخطاب السياسي الأمريكي، سواءً عبر تصريحات ترامب أو تلميحات بولس ليس تفصيلاً محدود، هو استخدام مقصود لفكرة الضربة الخاطفة كنموذج (ذهني) ليس خطة معلنة. هذه الرسالة لا تعني أن ما جرى في كاراكاس سيتكرر حرفياً في بورتسودان، هي تعني أن فكرة الحصانة قد سقطت وأن الرؤساء والجنرالات لم يعودوا خارج الحساب إذا ما قرروا تحدي ترامب في ملفات اعتبرها جزءاً من أمن الولايات المتحدة القومي. هذا النوع من الرسائل لا يُرسل إلى الشعوب، بل إلى غرف القيادة وإلى الذين يعتقدون أن تعقيد الوضع الداخلي سيحميهم من الردع الخارجي.!
ان التصريحات المنسوبة لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن الرئيس ترامب تفرغ لملف السودان فعلاً تحمل في طياتها قدراً كبيراً من القلق. التفرغ في قاموس ترامب لا يعني الاستماع المطوّل ولا البحث عن حلول وسطى، يعني أنه بات جاهزاً للمعالجة السريعة، ان السودان في نظر الإدارة الأمريكية لم يعد مجرد مأساة إنسانية، هو عقدة أمنية تهدد استقرار البحر الأحمر والقرن الإفريقي وتفتح الباب أمام تمدد (روسي) غير مرغوب. وحين تصل الأمور إلى هذه النقطة يصبح الحل الأمريكي أقل دبلوماسية وأكثر خشونة.!
الأكثر إثارة للفزع والسخرية السوداء هو الحديث عن أدوار محتملة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA لدعم مسار المحكمة الجنائية الدولية في القبض على مجرمي العالم. حيث تتحول العدالة من نصوص قانونية بطيئة إلى أداة ضغط وتنفيذ، ويصبح الحديث عن الإفلات من العقاب أقرب إلى نكتة سمجة في عالم لا يعترف إلا بموازين القوة. الرسالة هنا ليست (أخلاقية).. هي سياسية بامتياز وتعني ان من يواصل الحرب، ومن يعرقل أي مسار مدني، ومن يعتقد أن الإخوان يمكنهم الاختباء داخل الجيش إلى الأبد، قد يجد نفسه خارج اللعبة بالكامل، ليس عبرطاولة تفاوض، ولكن عبر ترتيبات (قسرية) لا مكان فيها للمجاملات.!
المشكلة أن البرهان وحلفاءه يتصرفون وكأن الزمن يعمل لصالحهم، بينما كل المؤشرات تقول إن مساحة المناورة بدأت تضيق بسرعة. وفي هذه المرحلة لا تبحث واشنطن عن سودان ديمقراطي كامل، كما تبحث عن سودان منضبط. وإذا تعارض هذا الهدف مع طموحات الإسلاميين، سيتم تجاوزهم. فشل كثيرون في فهم ان حقيقة ترامب (لا يمزح). السؤال لم يعد إن كان الحل الأمريكي سيكون عنيفاً، ولكن من الذي سيُفاجأ به، ومن سيدفع ثمن اساءة التقدير له.




