
أدهم الضهيب
لم يكن الاعتداء الجوي المصري الأخير على المعدنين السودانيين في مناطق التعدين الأهلي بشرق البلاد (ولاية البحر الأحمر) مجرد حادث عابر، بل هو حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الاستغلال المصري لظروف الحرب المأساوية التي تعيشها بلادنا. يبدو واضحاً أن القاهرة ما زالت تمارس دور “الوصي والسيد” على الحكومات السودانية المتعاقبة، متدخلة بشكل فج ومفضوح في الشؤون الداخلية، ومستغلةً حالة السيولة الأمنية والسياسية لفرض أجندتها.
في وقت تعاني فيه الشعوب السودانية من تكالب الأزمات المعيشية الطاحنة، ويسعى فيه المواطن البسيط خلف لقمة العيش بشرف عبر التعدين الأهلي، أو يضطر مرغماً للهجرة واللجوء؛ يتعامل النظام المصري مع هؤلاء الضحايا بمنطق الأجندة السياسية والمصالح الذاتية الضيقة. لم تكتفِ مصر بالزحف المستمر وقضم الأراضي في “حلايب وشلاتين”، بل باتت تتطاول اليوم على ما تبقى من السيادة السودانية، لتخترق الأجواء وتمطر المعدنين العُزّل بوابل من القذائف المتفجرة، في انتهاك صارخ لكل المواثيق الدولية وحقوق الإنسان.
والأكثر مرارة من العدوان ذاته، هو موقف “سلطة الأمر الواقع” في بورتسودان؛ فبدلاً من أن تنتفض لحماية مواطنيها والذود عن حياض الوطن، قابلت هذا التجاوز الخطير بصمت مطبق ومخزٍ. إن هذا العجز الفاضح عن الدفاع عن دماء الأبرياء الذين يقضون في أرضهم بحثاً عن الرزق، يمثل صك تنازل مجاني عن سيادة البلاد وكرامة إنسانها.
ولم تكن القوى السياسية بشتى لافتاتها بأفضل حالاً من سلطة الأمر الواقع؛ إذ سارت في ذات درب الخنوع، وتفادت مواجهة العدوان المصري بحسم. وجاءت بياناتها هزيلة وخجولة، لا ترقى بحال من الأحوال إلى مستوى الجريمة التي ارتكبها الجيش المصري بحق مواطنين سودانيين داخل حدودهم الجغرافية. هنا تحديداً تتكشف خيوط اللعبة الإقليمية ومدى التغلغل المصري وتأثيره على القرار السوداني، ودوره في إطالة أمد الحرب العبثية التي تمزق البلاد. إن صمت هذه النخب أو إداناتها “المستحية” تعكس عجزاً بنيوياً وفشلاً أخلاقياً في حماية الإنسان السوداني والسيادة الوطنية.
إننا أمام محك تاريخي؛ وعلى السلطة الوطنية الحقيقية بحكومة السلام أن تضع حدًا لهذه التجاوزات غير الإنسانية وأن تدافع عن حدود البلاد وإنسانها بصلابة. كما نطالب المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية بالخروج عن صمتهم، والنظر بجدية في هذه الانتهاكات الصارخة واستهداف المدنيين الأبرياء، والعمل على حماية حقوق الإنسان والسيادة السودانية من هذا التغول السافر.




