
عماد جدو
هل تتحول المأساة إلى فرصة لتأسيس السودان الجديد؟
ليست كل المآسي خسائر صافية. فبعض الأحداث الدامية، على قسوتها، تمتلك القدرة على إعادة ترتيب الأولويات وكشف الحقائق التي حاولت الدعاية السياسية إخفاءها لسنوات. وما جرى للمعدنين السودانيين في شمال البلاد يجب ألا يُقرأ باعتباره مجرد حادثة أمنية معزولة، بل باعتباره جرس إنذار يدعو السودانيين إلى إعادة تعريف معركتهم الحقيقية وإعادة ترتيب اصطفافهم الوطني.
لقد ظلت آلة الدعاية التابعة لسلطة بورتسودان والحركة الإسلامية تعمل منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023م على تصوير الصراع باعتباره معركة وطنية ضد “التمرد”، بينما كانت تتجنب عمداً الإجابة عن السؤال الأهم: لماذا تحولت الأراضي السودانية إلى ساحة مفتوحة للتدخلات الخارجية؟ ولماذا أصبح السودانيون يدفعون ثمن صراعات ومصالح لا علاقة لهم بها؟
إن ما حدث في شمال السودان أعاد القضية إلى أصلها الحقيقي: قضية السيادة الوطنية والكرامة السودانية. فعندما يُقتل السوداني داخل أرضه، وعندما تصبح ثرواته وموارده هدفاً للتنافس الإقليمي والدولي، فإن الواجب الوطني يقتضي تجاوز الانقسامات القديمة والنظر إلى الصورة الكبرى.
لقد أثبتت الحرب خلال أكثر من ثلاثة أعوام أن مشروع الحركة الإسلامية لم يعد مشروعاً لإنقاذ السودان، بل أصبح مشروعاً لبقاء سلطة ولو على أنقاض الدولة نفسها. فكل يوم تستمر فيه الحرب يعني مزيداً من الدمار، ومزيداً من النزوح، ومزيداً من التبعية للخارج، ومزيداً من استنزاف الموارد الوطنية.
وفي المقابل، فإن القوى التي رفعت شعار تأسيس الدولة السودانية الجديدة قدمت طرحاً مختلفاً يقوم على معالجة جذور الأزمة التاريخية للدولة السودانية، لا الاكتفاء بإعادة إنتاج المركز القديم وأزماته القديمة. فالمشكلة لم تكن يوماً في الأشخاص فقط، وإنما في طبيعة الدولة المختطفة بواسطة نخبة احتكرت السلطة والثروة والسلاح لعقود طويلة.
ومن هنا فإن الاعتداء على المعدنين السودانيين يجب أن يكون نقطة تحول سياسية لا مجرد مناسبة للغضب العاطفي. فهذه الدماء ينبغي أن تتحول إلى قوة دفع لبناء جبهة وطنية واسعة تتجاوز الاستقطاب التقليدي الذي فرضته الحرب.
إن الرسالة الأولى يجب أن تتوجه إلى قوى تحالف صمود.والجزريين. إن الرهان على حلول وسط مع مشروع أثبتت التجربة فشله لم يعد كافياً. فالسودان يحتاج اليوم إلى موقف أكثر وضوحاً وانحيازاً لمشروع التغيير الحقيقي وتأسيس دولة المواطنة المتساوية والعدالة وتقاسم السلطة والثروة.
أما الرسالة الثانية فتتوجه إلى حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور. فالأحداث الأخيرة تؤكد أن الخطر الذي يواجه السودان لم يعد مقتصراً على أزمة داخلية فحسب، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بمستقبل السيادة الوطنية ووحدة البلاد ومواردها. ولذلك فإن اللحظة التاريخية الحالية تفرض تجاوز الحسابات التنظيمية الضيقة والنظر إلى المصلحة الوطنية الكبرى.
إن مشروع تأسيس الدولة السودانية الجديدة لم يعد مجرد برنامج سياسي مطروح للنقاش، بل أصبح ضرورة وجودية لإنقاذ البلاد من الانهيار والتفكك. وهذا المشروع يحتاج إلى حاضنة سياسية واسعة، كما يحتاج إلى قوة قادرة على حمايته وفرضه على أرض الواقع.
وفي هذا الإطار، فإن رفع كعب حكومة السلام باعتبارها إطاراً سياسياً وإدارياً بديلاً، وتعزيز قدراتها على تقديم نموذج مختلف للحكم والإدارة والخدمات، يمثل خطوة ضرورية في طريق بناء الشرعية الجديدة.
كما أن القوة الصلبة الموجودة لدى قوات تأسيس والقوات المتحالفة معها تمثل عاملاً لا يمكن تجاهله في معادلة السودان الجديدة. فالتجارب السودانية أثبتت أن الاتفاقات السياسية التي لا تستند إلى توازن حقيقي للقوة غالباً ما تنتهي إلى الفشل أو الالتفاف عليها.
غير أن قيمة القوة العسكرية لا تكمن في استمرار الحرب إلى ما لا نهاية، وإنما في استخدامها لفرض مشروع سياسي جديد يضع حداً للحرب ويؤسس لدولة مدنية ديمقراطية تقوم على المواطنة بلا تمييز.
إن دماء المعدنين السودانيين يجب ألا تُدفن تحت ركام البيانات الموسمية وردود الأفعال العابرة. بل ينبغي أن تتحول إلى لحظة مراجعة وطنية شاملة تعيد تعريف العدو الحقيقي والحليف الحقيقي والمصلحة الوطنية الحقيقية.
لقد حاولت الحرب تقسيم السودانيين إلى معسكرات متناحرة، لكن الاعتداءات على المواطنين الأبرياء تذكر الجميع بأن الوطن أكبر من الأحزاب والحركات والجيوش، وأن المعركة الحقيقية ليست بين أبناء السودان، بل بين مشروع يريد بناء دولة جديدة عادلة ومستقرة، ومشروع آخر لا يزال يصر على إعادة إنتاج الأزمات التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه اليوم.
إنها لحظة تستدعي الشجاعة السياسية قبل أي شيء آخر. شجاعة الاعتراف بأن السودان القديم انتهى عملياً، وأن المستقبل لن يُبنى إلا على أسس جديدة، وأن دماء الضحايا يجب أن تكون جسراً نحو الوحدة الوطنية لا وقوداً لمزيد من الانقسام.
فهل تلتقط القوى الوطنية هذه اللحظة التاريخية، أم تضيع فرصة أخرى من فرص إنقاذ السودان؟




