رأي

تعثر العدالة الدولية !! بيان مجلس الأمن.. قراءة ناقصة لأزمة معقدة

 نجم الدين دريسة

 

 

 نجم الدين دريسة

الحياد الحقيقي لا يعني مساواة الضحية بالجلاد ولا تجاهل الوقائع أبداً.

ليست المشكلة في بيان مجلس الأمن الأخير بشأن مدينة الأبيض أنه عبّر عن القلق من اتساع رقعة الحرب أو دعا إلى حماية المدنيين، فهذه مبادئ لا يختلف حولها عاقلان. المشكلة الحقيقية أن البيان بدا وكأنه يقرأ الأزمة السودانية من نافذة ضيقة، ويتعامل مع واقع شديد التعقيد بمنطق سياسي لا يواكب التحولات العميقة التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.

فالسودان اليوم ليس هو السودان الذي عرفته المؤسسات الدولية قبل اندلاع الحرب. لقد تغيرت موازين القوى، وتبدلت الخرائط السياسية والاجتماعية، وظهرت وقائع جديدة فرضتها الحرب نفسها. ومع ذلك، لا تزال بعض المؤسسات الدولية تصدر مواقفها وكأن شيئاً لم يتغير، وكأن الأزمة يمكن اختزالها في تقارير مكتبية أو تقديرات دبلوماسية بعيدة عن الأرض.

إن أخطر ما في بيان مجلس الأمن ليس ما قاله، بل ما تجاهله.

لقد تحدث البيان عن المخاوف الإنسانية، لكنه لم يتوقف طويلاً عند السؤال الأهم: من الذي يرفض حتى الآن الانتقال من منطق الحرب إلى منطق التسوية السياسية؟ ومن الذي لا يزال يعتقد أن بإمكانه حسم الأزمة السودانية عسكرياً رغم مرور كل هذا الوقت وسقوط هذا العدد الهائل من الضحايا؟

في المقابل، شهد السودانيون والعالم مواقف متكررة تدعو إلى الحل السياسي وإلى معالجة جذور الأزمة السودانية بدلاً من الاكتفاء بإدارة نتائجها. وشهدوا كذلك طرحاً سياسياً متكاملاً يسعى إلى إعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس جديدة تتجاوز الفشل التاريخي الذي لازم الدولة المركزية منذ الاستقلال.

غير أن بعض المواقف الدولية تبدو وكأنها تتعامل بحذر مفرط مع أي مشروع سياسي جديد، بينما تتساهل ــ بصورة مباشرة أو غير مباشرة ــ مع القوى التي ظلت لعقود سبباً رئيسياً في إنتاج الأزمة الوطنية.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى.

ففي الوقت الذي تتحدث فيه الأمم المتحدة ومجلس الأمن عن ضرورة إنهاء الحرب، تأتي بعض مواقفهما العملية لتمنح دفعة سياسية ومعنوية للقوى التي ما زالت تراهن على استمرار الصراع واستنزاف البلاد. وهي قوى معروفة بخطابها الرافض لأي تحول جذري في بنية الدولة أو في طبيعة السلطة التي احتكرتها لعقود طويلة.

لقد أصبح من الواضح أن الأزمة السودانية ليست مجرد نزاع عسكري، وإنما صراع بين مشروعين: مشروع يريد إعادة إنتاج السودان القديم بكل أزماته ومراكزه وامتيازاته، ومشروع آخر يسعى إلى بناء دولة جديدة تقوم على المواطنة والعدالة والاعتراف بالتنوع وإعادة توزيع السلطة والثروة بصورة أكثر إنصافاً.

ومن هذه الزاوية تحديداً تكتسب التطورات في الأبيض أهميتها الحقيقية. فالمعركة هناك ليست مجرد تحركات عسكرية أو حسابات ميدانية، وإنما جزء من صراع أوسع حول مستقبل السودان نفسه.

كما أن الجدل حول الإدارة والحكم في مناطق السيطرة المختلفة يكشف حجم الفجوة بين الواقع وبين بعض المقاربات الدولية. فالحروب الطويلة لا تترك وراءها خطوط مواجهة فقط، بل تنتج وقائع سياسية وإدارية واجتماعية جديدة لا يمكن تجاهلها أو شطبها ببيان أو قرار.

إن المطلوب من المجتمع الدولي ليس الانحياز لهذا الطرف أو ذاك، وإنما الانحياز للحقيقة. والحقيقة أن السودان لن يخرج من أزمته عبر تكرار الوصفات القديمة أو عبر دعم القوى التي أثبتت التجربة فشلها في بناء دولة مستقرة وعادلة.

كما أن المطلوب ليس إصدار المزيد من البيانات، وإنما المساهمة في خلق بيئة سياسية تشجع على السلام الحقيقي، السلام القائم على معالجة جذور الأزمة لا على تجميدها مؤقتاً.

لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً لهذه الحرب، ولم يعد لديهم ترف العودة إلى نقطة البداية. ولذلك فإن أي مقاربة دولية جادة يجب أن تنطلق من فهم عميق لطبيعة التحولات الجارية، وأن تدرك أن الحل لن يأتي من إعادة تدوير الماضي، بل من الاعتراف بالواقع الجديد والبحث عن تسوية سياسية شاملة تضع نهاية للحرب وتفتح الطريق أمام إعادة تأسيس الدولة.

أما الاستمرار في قراءة السودان بعين واحدة، فلن يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة: إطالة عمر الأزمة، ومنح مزيد من الوقت للقوى التي لا تزال ترى في الحرب طريقاً إلى السلطة، بينما يدفع المواطن السوداني وحده ثمن هذا العمى السياسي يوماً بعد يوم.

لقد آن الأوان لأن يدرك المجتمع الدولي أن السودان لا يحتاج إلى مزيد من الوصايا، بل إلى فهم أكثر عدالة وعمقاً وواقعية. فالدول لا تُنقذ بالبيانات، وإنما تُنقذ حين تُقرأ حقائقها كما هي، لا كما يرغب الآخرون في رؤيتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!