رأي

لا دولة بلا مواطنة القبيلة تقتل فكرة الوطن الواحد .

د.دقاش حسب الله دقاش

 

د.دقاش حسب الله دقاش

تأمل معي ثلاثة مشاهد متضادة في الزمان والمصير أولها رواندا عام 1994 حيث سقط مليون إنسان في مائة يوم لأن بطاقة هوية صغيرة حملت كلمة هوتو أو توتسي فقدمت الدم على التراب فكان الذبح هو القانون وثانيها رواندا اليوم وهي نمر اقتصادي صاعد في قلب شرق أفريقيا وشعارها الذي رفعت به نفسها من تحت الرماد كلمة واحدة هي رواندي فقط وثالثها أوروبا التي عاشت قرونا طويلة في حروب ضارية بين الفرنسي والألماني والإنجليزي فمزقت بعضها ثم قررت أن تصنع كيانا واحدا بجواز سفر واحد اسمه الاتحاد الأوروبي فما السر الذي أنقذهم من قاع التاريخ إلى قمة النهوض والجواب كلمة واحدة لا تحتمل المواربة هي المواطنة لأنهم أدركوا أنه لا جيش يحمي حدودا ولا اقتصاد يطعم بطونا ولا سلام يبني مصانع ولا دولة تقف على قدميها إذا ظل كل فرد يحمل وطنه الصغير في جيبه وإذا ظل الولاء للدم مقدما على الولاء للتراب

أما نحن في السودان فقد سرنا في الطريق المعاكس تماما فالقبيلة عندنا لم تعد جذورا نعتز بها ونغرسها في وجدان الأبناء بل صارت سقفا نحتمي تحته من برد الدولة وغياب القانون وتحولت إلى دستور بديل وحزب سياسي ومحكمة عرفية وضمان اجتماعي فصارت أزمة الموية مسألة منطقتنا والوظيفة مسألة ود منو والخلاف مسألة نحلها بصلح أهلنا قبل أن نذهب إلى القسم وبالتدريج صارت الدولة الكبيرة خيالا بعيدا والقبيلة الصغيرة حقيقة يومية نعيشها ونتحرك داخلها

وهنا يجب أن نرسخ حقيقة جوهرية أن الدولة ليست مبنى فخما ولا علما يرف ولا نشيدا يردد في طابور الصباح بل الدولة عقد أخلاقي بسيط بين بشر مختلفين في الألسن والألوان والمصالح اتفقوا طوعا أن يعيشوا معا تحت سلطان قانون واحد يمنح لكل فرد حقه ويكلفه بواجبه وهذه هي المواطنة في جوهرها النقي لكن منطق القبيلة يقوم على معادلة مختلفة تماما هي أنا وأهلي ومن بعدنا الطوفان ولذلك عندما يمسك هذا المنطق بمفاصل الحكم تموت المواطنة فورا ويتحول الصراع السياسي من برامج وانتخابات وتنافس شريف إلى خوف مرضي من الآخر وخوف على الوجود وخوف من أن لو أمسكوا هم الحكم سنضيع نحن

ولهذا السبب لم تبن دولة مؤسسات حقيقية في التاريخ البشري على أساس القبيلة لأن القبيلة نظام إقصاء بالفطرة ومنذ الاستقلال وحتى يومنا هذا كلما ضعفت الدولة المركزية قوينا القبيلة كبديل وكلما اشتدت الأزمة الاقتصادية والسياسية عدنا إلى صندوق العائلة الضيق وكانت الحصيلة واحدة وثابتة دولة لا تستطيع أن تحمي مواطنها في الطريق واقتصاد لا يقدر أن يطعم إنسانه في البيت وحدود لا يحرسها إلا الدم لأن الولاء للتراب مفقود

وهنا يطرح العقل سؤالا محوريا هل الحل هو إلغاء القبيلة ومحوها من الوجدان والجواب القاطع هو لا لأن الإنسان الذي يكره أصله وينكر جذوره إنسان ناقص الفهم و الوفاء فالقبيلة لون زاه في لوحة الوطن وتراث حي وحكاوي الجدات ودلوكة في العرس وغناء الرعاة ومكانها الطبيعي هو القلب والبيت والمناسبة والكرم والمرض الحقيقي ليس في القبيلة ذاتها بل عندما تقفز القبيلة فوق الدولة وعندما يصبح العمدة أهم من القاضي وعندما يصبح العرف القبلي أعلى من الدستور وأقوى من القانون ففي تلك اللحظة الخطرة لا تقوي القبيلة نفسها بل تكسر البلد كله وتكسر نفسها معه لأن السقف الذي يحميها منهار

وإذا أضفنا إلى هذه الحقيقة أن السودان الجديد لا يصنع بقانون جديد يكتب في ليلة ولا بحكومة جديدة تشكل في يوم لأن الدستور الورقي لا يحمي وطنا بلا ضمير حي والانتخابات لا تصنع ديمقراطية راسخة بلا شعب يؤمن بالتداول ويقبل الهزيمة قبل الفوز ومن ثم فإن المعركة الحقيقية التي تواجهنا ليست معركة سلاح أو مناصب بل هي معركة وعي طويلة نرجع فيها كل شيء إلى مكانه الصحيح

والانتقال من عقلية القبيلة الضيقة إلى عقلية المواطنة الواسعة يحتاج إلى ثلاثة مفاتيح متلازمة لا تنفصل المفتاح الأول التعليم لأن مدرستنا يجب أن تربي الطفل على أن يقول نحن السودانيون قبل أن تعلمه أن يقول أنا شايقي أو فوراوي أو خزامي أو نوباوي أو فلاتي أو دنقلاوي أو معلاوي أو رشيدي أو مسلاتي أو هلباوي أو تنجراوي أو محسي أو ادروب ويجب أن يصبح النشيد الوطني إحساسا ينبض في القلب وليس مجرد طابور صباح يمضي والمفتاح الثاني القانون لأنه لا يستقيم أن تجد وطن متماسك بلا مساواة حقيقية فعندما يتساوى ابن المسؤول الكبير مع ابن الغفير البسيط أمام قاض واحد وفي قاعة واحدة ينتهي نصف الكراهية في المجتمع لأن الناس لا تكره الدولة الضعيفة بقدر ما تكره الدولة الظالمة والمفتاح الثالث الاقتصاد والخدمات لأن المواطن لن يكون ولاؤه لدولة لا يراها إلا في شاشة التلفزيون بل يجب أن يراها كل يوم في المستشفى الذي يعالجه و المدرسة التي تعلم ابنه وفي الطريق الذي يسلكه وفي المرتب الذي يصل في وقته فالفقير الذي يبحث عن الدولة في كل مكان ولا يجدها سيجدها حتما في ديوان العمدة وفي خيمة الناظر لأن الفراغ الذي تتركه الدولة يملأه فورا منطق القبيلة

وخلاصة القول أننا اليوم نقف أمام طريقين لا ثالث لهما الطريق الأول أن نواصل السير في عقلية قبيلتي أولا فنبقى ندور في دائرة الدم والتقسيم والفشل والانكسار والطريق الثاني أن نطلق ثورة وعي هادئة نقول فيها بصوت عال واضح سوداني أولا وبعد ذلك قبيلتي وهذا التحول لن يتحقق إلا إذا اعترفنا بحقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد وهي أن القبيلة جزء أصيل من هويتنا الثقافية وليست كل هويتنا السياسية وأن السودان أكبر من مجموع قبائله كلها وأعظم من مجموع مآسينا كلها وأن الوطن لا يبنى بالتعصب بل بالمواطنة ولا ينهض بالعصبية بل بالعدل ولا يحرس بالدم بل بالقانون

الخميس 25 يونيو 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!