
إيمان التجاني
لا يمكن لأي قوة كانت سببًا في إشعال الحروب أن تكون صانعة للسلام، وهذه حقيقة لا جدال فيها، حتى لو تحولت المبادرات الدولية من “الرباعية” إلى “الأربعينية”. السودان، اليوم، يظل مثالًا صارخًا على هذه المعادلة. دولة بلا مشروع سياسي واضح، يعبر عن شعوبها المتنوعة إثنيًا وثقافيًا، ومؤسساتها، وعلى رأسها الجيش، تمثل العقبة الكبرى أمام أي محاولات لإحلال الاستقرار.
الجيش السوداني، الذي يُفترض أن يكون حامي الدولة وحامي مواطنيها، لم يكن يومًا مؤسسة قومية حقيقية. فهو جيش مستعمر بالأساس، بنيته القيادية مختطفة ومخترقة، بلا عقيدة وطنية ولا منهجية واضحة، متورط في الفساد، ونهب الموارد، والتدخل في السياسة، بل وإشعال الحروب ضد الشعب ذاته. تاريخ هذا الجيش يشير إلى علاقاته المتشابكة مع مصالح خارجية، خاصة مع مصر، التي وظفته على مدى عقود لحراسة مصالحها داخل السودان.
منذ تسعينيات القرن الماضي، ومع صعود جماعة الهوس الديني إلى السلطة عبر انقلاب، تحوّل السودان إلى ساحة صراع دائم، ومع سقوط هذه الجماعة تحت ضغط الشعب، انقلب الجيش على الجميع، وأشعل الحرب مجددًا من أجل استعادة نفوذ ضائع. هذا الوضع يعكس عمق الأزمة في السودان: صراع بين دولة بلا مشروع سياسي وجيش يسيطر على القرار ويقيد حرية الشعب.
اليوم، ومع الحديث الدولي المستمر عن مبادرات السلام، يظل الواقع السوداني معقدًا للغاية. السلام لن يتحقق إلا حين يتم تفكيك آليات السيطرة العسكرية والسياسية القديمة، وإعادة بناء الجيش كقوة وطنية حقيقية، ولدى الدولة مشروع سياسي شامل يحترم التنوع الإثني والثقافي، ويضمن العدالة والمواطنة.
في النهاية، لا يمكن للسودان أن يحلم بالسلام الحقيقي إلا عندما يتحرر من قيود جيشه المستعمر ومن إرث جماعات الاستبداد، ويبدأ بناء الدولة على أسس وطنية عادلة وشاملة، تضع الشعب السوداني في قلبها، لا السلطة العسكرية أو الأيديولوجية الضيقة.




