تقارير وتحقيقات

الإسلاميون والدولة العميقة.. هل تنجح التسوية السياسية في السودان دون تفكيك إرث ثلاثة عقود؟

التنوير تقرير الراكوبة 

 

التنوير تقرير الراكوبة 

يتواصل الجدل السياسي في السودان حول مستقبل الحركة الإسلامية وشبكات النفوذ التي رسختها داخل مؤسسات الدولة، في وقت تدخل فيه الحرب عامها الرابع، وتتزايد فيه التحركات الإقليمية والدولية الرامية إلى بلورة تسوية سياسية تنهي الصراع وتؤسس لمرحلة انتقالية جديدة.

ولم يعد النقاش يدور حول مشاركة الإسلاميين أو استبعادهم من العملية السياسية فحسب، بل انتقل إلى سؤال أكثر عمقاً يتعلق بطبيعة الدولة التي ستنشأ بعد الحرب، ومدى قدرتها على تفكيك مراكز القوة التي تشكلت على امتداد ثلاثة عقود داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية والعدلية والبيروقراطية، والتي يرى مراقبون أنها ما تزال تؤثر بصورة مباشرة في مسار الأحداث.

وتشير تقديرات دبلوماسية إلى أن أي اتفاق سياسي لن يكون قابلاً للحياة ما لم يتعامل مع ملف الدولة العميقة بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية، باعتبار أن استمرار شبكات النفوذ القديمة داخل مؤسسات الدولة قد يقوض أي ترتيبات انتقالية ويعيد إنتاج الأزمة بصورة جديدة.

وفي هذا السياق، يرى القيادي في تحالف القوى المدنية الديمقراطية، بابكر فيصل، أن المقارنة بتجربة جنوب أفريقيا ليست دقيقة، لأن نجاح الانتقال هناك لم يكن نتيجة إشراك جميع الأطراف في السلطة فحسب، وإنما جاء بعد تفكيك منظومة الامتيازات السياسية والأمنية التي كانت تحكم الدولة، وإعادة بناء المؤسسات على أسس جديدة.

ويعتبر فيصل أن الحالة السودانية تبدو أقرب إلى تجارب دول ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، حيث احتفظت شبكات النفوذ القديمة بتأثير واسع داخل مؤسسات الدولة رغم التغيير السياسي، وهو ما أدى في بعض الحالات إلى صدامات متكررة وانقسامات حادة. ويشير إلى أن الحركة الإسلامية احتفظت بنفوذ مؤثر داخل أجهزة الدولة حتى بعد سقوط نظامها، الأمر الذي انعكس  في انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، ثم في تطورات الحرب التي اندلعت في أبريل 2023.

ومن زاوية أخرى، يطرح القيادي في تحالف «صمود» خالد عمر يوسف تساؤلات حول الربط بين إنهاء الحرب وإعادة إشراك المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية في أي تسوية سياسية. ويرى أن هذا الطرح ينطوي ضمناً على الاعتراف بامتلاك هذه القوى نفوذاً مؤثراً في مسار الحرب، وهو ما يستوجب نقاشاً أكثر وضوحاً حول مسؤوليتها السياسية عن تعطيل الانتقال المدني، وحدود مشاركتها في أي ترتيبات مستقبلية.

وبحسب ما نقلته صحيفة «ديسمبر»، يؤكد خالد عمر أن أي حديث عن إعادة إدماج المؤتمر الوطني لا يمكن فصله عن مسؤولية النظام السابق في تقويض التجربة الانتقالية، مشدداً على ضرورة التمييز بين الحق في المشاركة السياسية وبين إعادة إنتاج منظومة الحكم التي أسقطتها ثورة ديسمبر.

وفي الاتجاه ذاته، ترى الصحفية والمحللة السياسية رشا عوض أن جوهر الأزمة لا يكمن في مبدأ المشاركة السياسية، وإنما في الشروط التي تُبنى عليها العملية الانتقالية. وتؤكد أن الحركة الإسلامية لا يمكن النظر إليها كفاعل سياسي تقليدي بمعزل عن إرثها في الحكم، وشبكات النفوذ التي ما تزال حاضرة داخل مؤسسات الدولة، معتبرة أن أي تسوية جادة يجب أن ترتبط بإصلاحات أمنية وعسكرية شاملة، وتفكيك التمكين، وإعادة بناء الخدمة المدنية والمؤسسات العدلية على أسس مهنية ومستقلة.

في المقابل، يقدم الباحث المحبوب عبد السلام رؤية مختلفة تدعو إلى تجنب سياسة الإقصاء الكامل، مع إخضاع جميع القوى السياسية، بما فيها الحركة الإسلامية، لمراجعات فكرية وسياسية تفضي إلى الالتزام بقواعد الديمقراطية والمساءلة. ويرى أن الاستقرار لا يتحقق عبر الاستبعاد المتبادل، وإنما من خلال عدالة انتقالية حقيقية تؤسس لعقد سياسي جديد يمنع احتكار الدولة أو توظيف مؤسساتها لصالح أي تيار.

ويذهب الباحث محمد تورشين إلى أن جوهر الأزمة السودانية يتجاوز سؤال إدماج الإسلاميين أو إقصائهم، ليصل إلى طبيعة العلاقة بين السلطة ومؤسسات الدولة. ويرى أن بقاء مراكز القوة القديمة دون إصلاح يمثل أحد أكبر التحديات أمام أي انتقال سياسي، بينما قد يؤدي الإدماج غير المشروط إلى إعادة إنتاج موازين القوى التي قادت إلى الأزمة.

ويؤكد تورشين أن نجاح أي تسوية مستقبلية يتطلب وضع قواعد واضحة للمشاركة السياسية، وضمان حياد مؤسسات الدولة، ومنع استخدامها كأدوات لصراع الأحزاب أو التيارات، بما يحقق انتقالاً مستقراً وقابلاً للاستمرار.

وفي المحصلة، يبدو أن الجدل الدائر في السودان تجاوز مسألة مشاركة الإسلاميين في السلطة، ليطرح سؤالاً أكثر جوهرية يتعلق بشكل الدولة نفسها بعد الحرب: هل تتجه البلاد نحو إعادة تأسيس مؤسسات وطنية محايدة تقوم على سيادة القانون والمواطنة المتساوية، أم تنتهي إلى تسوية سياسية مؤقتة تُبقي شبكات النفوذ القديمة فاعلة، بما يهدد بإعادة إنتاج أسباب الصراع في المستقبل؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!