رأي

تحالف السودان التأسيسي: الانتقال من الثورة إلى الدولة

نجم الدين دريسه

رغم قسوة الحرب التي مزقت أوصال السودان وأثقلت كاهل شعبه، إلا أن مشهدًا سياسيًا جديدًا بدأ يتشكل من بين ركام الدمار والمعاناة. فقد أفضت تحولات الواقع إلى بروز مشروع سياسي مغاير، يتجه بخطى واثقة نحو إعادة تعريف الدولة السودانية على أسس جديدة: دولة عادلة، مستدامة، تضع الشعوب السودانية على قدم المساواة في الحقوق والواجبات، وتكفل تكافؤ الفرص بعيدًا عن منطق الهيمنة والإقصاء.
هذا التحول تمثل بجلاء في الحراك الواسع لتحالف السودان التأسيسي، الذي أحرز تقدمًا لافتًا في اختراق جدار الأزمة السياسية المعقدة والمزمنة، مستندًا إلى خطاب سياسي استراتيجي يستوعب الماضي، ويقرأ الحاضر، ويؤسس للمستقبل. قدّم التحالف رؤى وأفكارًا وأطروحات عميقة أعادت الأمل لجمهور الثورة، وجعلت من فكرة الانتقال إلى دولة مدنية حديثة أمرًا ممكنًا وواقعيًا.
التحالف يضم طيفًا واسعًا من القوى السياسية والمدنية والمسلحة، تمثل أصحاب المصلحة الحقيقيين في صناعة عقد اجتماعي جديد، يتأسس على مبادئ المواطنة والعدالة والديمقراطية، ويعترف بالتنوع كرافعة للنهضة لا كعامل تفتيت. ومن هنا، جاء تبنيه الصريح لمفهوم الدولة الحديثة اللا مركزية، الديمقراطية، والعلمانية، وهي القيم التي وُثِّقت في المواثيق السياسية المؤسسة لتحالف “تأسيس”.
ومن أبرز مكونات هذا التحالف؛قوات الدعم السريع، التي تحوّلت إلى ما يشبه قوات تحرير وطني،الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة القائد عبد العزيز آدم الحلو، وهي حركة ذات ثقل سياسي وعسكري ورؤية استراتيجية واضحة، حزب الأمة القومي الذي يتمتع بقاعدة جماهيرية تاريخية، الحزب الاتحادي الديمقراطي، الجبهة الثورية السودانية. إضافة إلى عدد من القوى السياسية والمدنية والجهوية الأخرى.
وبذلك يُعد هذا التحالف الأوسع نطاقًا والأكثر شمولًا في تاريخ السودان الحديث، ليس فقط من حيث التمثيل السياسي، بل أيضًا من حيث الحضور الشعبي والدعم الدولي المتزايد، وهو ما يمنحه فرصة تاريخية لتشكيل حكومة تستند إلى ميثاق سياسي واضح المعالم، وتحظى بقبول داخلي وخارجي، في مقابل حكومة انقلابية تتخذ من بورتسودان مقرًا لها، وتُتهم بإشعال الحرب لإعادة النظام الإسلامي وإهدار موارد البلاد في صراعات عبثية تهدد السلم والأمن الدوليين.
قيادة الفريق محمد حمدان دقلو لهذا التحالف أضفت عليه بُعدًا سياسيًا وشعبيًا قويًا. فقد عرفه السودانيون بوصفه القائد الذي انحاز منذ وقت مبكر إلى ثورة ديسمبر المجيدة، وخطاباته طالما شددت على قيم السلام والوحدة والحكم المدني وحقوق الإنسان، مما جعله أحد رموز المرحلة الانتقالية وقادة الدولة الأقوياء في حكومة الثورة السابقة. وقد وازاه في هذا المسار الوطني المناضل عبد العزيز الحلو، الذي نذر حياته من أجل مشروع “السودان الجديد”، والذي تجسدت ملامحه اليوم في وثائق تحالف “تأسيس”، مؤكدة على القطيعة مع إرث السودان القديم القائم على الظلم والفساد والهيمنة، والسعي نحو سودان جديد تُبنى فيه الدولة على قواعد متينة من الحرية والعدالة والسلام.

إن ما يجري اليوم ليس مجرد تحالف سياسي عابر، بل هو لحظة تأسيس حقيقية لميلاد وطن يتسع للجميع، ويعيد الاعتبار لحلم السودانيين بدولة الحرية والمساواة والكرامة الإنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!