رأي

السلام التأسيسي، من إصلاح المؤسسات إلى إعادة تأسيس الدولة

السلام التأسيسي، من إصلاح المؤسسات إلى إعادة تأسيس الدولة:

بقلم: عبدالله ديدان

لم يعد السلام في السودان قضية تتعلق بإيقاف الحرب أو التوصل إلى اتفاق بين الأطراف المتحاربة فحسب، فقد أثبتت التجربة السودانية منذ تسوية الإستقلال أن الاتفاقات السياسية، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع وحدها إنهاء دورة الحرب، إذا ما ظلت الأسباب البنيوية للصراع قائمة، لذلك فإننا فى السودان نحتاج إلى الإنتقال من مفهوم السلام السياسي الذي جريناه كثيرا إلى مفهوم أكثر عمقا هو السلام التأسيسي، أي السلام الذي يعيد بناء الدولة على أسس جديدة، ويعالج جذور المظالم التاريخية، ويعيد تعريف علاقة المواطن بالدولة، ويؤسس لنظام سياسي ومؤسسي قادر على إدارة التنوع بصورة عادلة وتعريف المواطنة، أي تطوير رؤيتنا من سلام التسويات إلى سلام تأسيسي، لأن عمليات صناعة السلام التى حدثت في السودان، في معظم مراحلها، كانت تصنع سلاما قائماً على منطق التسوية السياسية بين الأطراف بحيث يتم إقتسام السلطة، توزيع المناصب، ترتيبات أمنية مؤقتة و إدماج بعض القوات، على الرغم من أهمية هذه الترتيبات، فإنها غالبا ما عالجت أعراض الأزمة أكثر من جذورها، فالسلام السياسي قد يوقف إطلاق النار، لكنه لا يضمن بالضرورة بناء الدولة الوطنية المفقودة فى بلادنا وقد يتم إعادة تشكيل الحكومة التى وقعت التسوية السياسية دون تغير جوهري في بنبتها ، لكن فى الواقع، كل هذه التجارب التى مررنا بها، لم تعالج بالضرورة المسببات الجذرية لفشل دولة ما بعد المستعمر فى تحقيق الدولة الوطنية، إنما كانت تحدث تسويات سياسية لإيقاف الحرب مؤقتا، فيعاد ترتيب مؤسسات الدولة، دون أن تغير جذري فى طبيعة الدولة نفسها، من هنا تأتي الحاجة إلى مفهوم السلام التأسيسي، الذي ينظر إلى الحرب بإعتبارها نتيجة لأزمة أعمق في تأسيس الدولة السودانية وفي توزيع السلطة والثروة والفرص وفي تعريف المواطنة وعلاقة المركز بالأقاليم، فالسلام التأسيسي لا يعني مجرد العودة إلى الدولة التي كانت قائمة قبل الحرب، إنما يعني بناء دولة مختلفة، أكثر عدالة وتمثيلا وقدرة على إستيعاب التنوع السوداني.

دائما ما يتم تضمين إتفاقيات السلام بنودا عن إصلاح مؤسسات الدولة وكأنه غاية فى ذاته، دون بحث لماذا تحتاج هذه المؤسسات الى إصلاح كلما كل مرة، صحيح إن إصلاح مؤسسات الدولة يمثل أحد المداخل الأساسية للسلام، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد إصلاح إداري أو إعادة ترتيب للهياكل، المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية والشرطة والقضاء والخدمة المدنية والسلطة التشريعية والمؤسسات الإقتصادية، تحتاج جميعها إلى مراجعة عميقة تعيد تعريف وظيفتها وعلاقتها بالمواطن، فالدولة التي تتحول فيها المؤسسات إلى أدوات لحماية مصالح جماعة سياسية أو إجتماعية معينة تصبح جزءا من المشكلة، لا جزءاً من الحل، لهذا فإن مفهوم مؤسسات الدولة يجب أن يقوم على مبادئ واضحة، المهنية والحياد السياسي، المساءلة، التمثيل العادل، إحترام حقوق الإنسان، وسيادة القانون ويشمل ذلك بالضرورة إعادة تأسيس القطاع الأمني والعسكري وإعادة بناء جيش وطني موحد يخضع للسلطة المدنية الدستورية وفسلفة وجود أجهزة العدالة وضمان إستقلال القضاء وإعادة تأسيس مفهوم الخدمة المدنية على أساس الكفاءة والمواطنة وليس الولاء السياسي أو الجهوي أو الثقافي والإجتماعي من إصلاح المؤسسات إلى إعادة تأسيس الدولة، لذلك فإن أي رؤية لعمليات تسوية سلمية، لابد أن تنتقل هذه المرة من مربع السلام السياسي الى فضاء السلام التأسيسي، هذا ما علمتنا له تجاربنا السابقة إذا أردنا فعلا أن ننهى الحرب فى السودان ونحقق دولة وطنية عمودها الفقري هو المواطنة، لأن فكرة إصلاح المؤسسات القائمة منذ عهد المستعمر، ليس كافيا لبناء دولة وطنية، إذا كانت هذه المؤسسات نفسها قد نشأت داخل نظام سياسي كرس الإختلالات التاريخية التى وصمت بلادنا ومنعت شرط المواطنة من التحقق فى حياتنا كشعوب سودانية، هنا يظهر الفرق بين إصلاح الدولة وإعادة تأسيسها، الإصلاح كما أسلفنا، يعني تحسين أداء المؤسسات الموجودة، أما إعادة التأسيس، فتعني مراجعة القواعد التي قامت عليها الدولة نفسها، من يصنع الدولة و يملك السلطة، كيف توزع الثروة، كيف تتم إدارة التنوع، ما موقع الأقاليم فى بنية الدولة وقسمة الموارد، كيف تحمي الحقوق وما هي طبيعة العلاقة بين المركز والمجتمعات المحلية.

إعادة تأسيس الدولة السودانية تتطلب عقدا اجتماعيا جديدا، يقوم على المواطنة المتساوية والاعتراف بالتنوع واللامركزية الفاعلة والعدالة في توزيع الموارد والمشاركة السياسية الواسعة، فلا يمكن بناء سلام مستدام بدولة يكون أغلب شعوبها فى موقع أنهم مواطنيين من الدرجة الثانية، أو أن موارد مناطقهم تدار من مركز بعيد أو أن مؤسسات الدولة لا تمثلهم ولا تحمي حقوقهم، فالسلام التأسيسي هو العمليات السياسية التى تعيد بناء النظام السياسي والإقتصادي على أساس المشاركة والإنصاف وهذا يعني تطوير نظام حكم لا مركزي حقيقي، يمنح الأقاليم سلطات وموارد تمكنها من إدارة شؤونها مع الحفاظ على وحدة الدولة، كما يتطلب بناء نظام مالي عادل يضمن توزيعا أكثر إنصافاً للموارد العامة، والإستثمار في المناطق التي عانت تاريخيا من التهميش السياسي، الثقافي والتنموي، إضافة الى وربط التنمية بالعدالة الاجتماعية، لأن السلام الذي لا يغير شروط الحياة التي أنتجت الإحباط والتهميش، سيظل معرضا للإنهيار مرة أخري كما ظل يحدث فى بلادنا بإستمرار فى التجارب السابقة.

إضافة الى ذلك، فإن إعادة تأسيس الدولة لا تتم عبر المؤسسات وحدها، فالدولة الموروثة من المستعمر، قد تركت جروحا عميقة فى جسد الشعوب التى تم تهميشها وتجريدها من المواطنة الكاملة، لذلك يحتاج السودان إلى مشروع وطني للإقرار بلا وطنية هذه الدولة وبفشلها المخزي فى أن تكون دولة كل السودانيين،هو إقرار يتجاوز المصالحات السياسية ، ويصل إلى الشعوب التى حرمت طوال عمر هذه الدولة من حقها فى المواطنة الكاملة، كما تحتاج نخب المشروع الموروث من المستعمر إلى التعامل مع الذاكرة الوطنية بصورة صادق، فلا يمكن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!