صـــــرخة وطـــــن علــــى حـــافة الهــــــاوية
سلــــــيـــــم مــــحــــمــــد عــــــــبداللـــــه


يواجــــــــه الســـــودان اليوم منعطفًا تاريخيًا حرجًا، ففي الأفق تلوح نذر انقسام كارثي يهدد بتمزيق البلاد إلى كيانات متصارعة، على غرار السيناريوهات المروعة التي عصفت باليمن وليبيا. هذه المخاوف ليست مجرد تصورات نظرية عابرة، بل هي حقيقة مؤلمة يكتوي بنارها المواطن السوداني، الذي يدفع الثمن الأغلى في صراعٍ لا ناقة له فيه ولا جمل. ومع تزايد الأحاديث عن تشكيل حكومتين متنافستين، واحدة في الشرق وأخرى في الغرب، تتصاعد التساؤلات المريرة حول مصير الوحدة الوطنية في بلد أنهكته عقود من الحروب الطاحنة والفساد المستشري.
صــــــراعات الســــــلطة::: فاتورة الـــدم يدفــــعها الشعــــــب
تتكشف فصول الأزمة السودانية الراهنة في ظل تفاقم الانقسام السياسي الحاد، وظهور تحالفات جديدة مثل “التأسيسي” الذي أثار جدلاً واسعًا وتباينًا عميقًا في المواقف. فبينما يرى البعض في هذه التحركات بصيص أمل لملء الفراغ السياسي القاتل، تتوجس مكونات مدنية ومسلحة عديدة من تبعاتها الوخيمة. حركات مسلحة بارزة، مثل العدل والمساواة وحركة مناوي، عبرت صراحة عن رفضها القاطع، معتبرة التشكيلات الجديدة “تهميشًا لدورها” و””إعادة إنتاج للإقصاء الممنهج”””. هذا الرفض يطرح سؤالًا جوهريًا حول شرعية هذه التحالفات وقدرتها على تحقيق التوافق الوطني المنشود. وهل سيعترف بها المجتمع الدولي كخطوة نحو تقسيم السودان، أم سيتدخل بحزم لمنع هذا المصير الكارثي الذي يتهدد مستقبل أمة بأكملها؟
تـــــشيــــر المــؤشـــــرات الأولية منذ اندلاع شرارة الحرب الراهنة بقوة إلى احتمالية انقسام السودان، لا سيما مع الأحاديث المتزايدة عن تشكيل حكومتين متوازيتين، مما ينذر بواقع جديد من التشظي والانفصال. ووسط هذا المشهد المأساوي، يبقى المواطن السوداني هو الضحية الأولى والأخيرة، حبيس دائرة العنف المفرغة، والنزوح القسري، والدمار الشامل الذي يلتهم كل آماله.
إرث الــــفســــاد وتآكل الـهـــــوية الوطــــــنية: ::جذور المأساة
إن جذور الأزمة الحالية تمتد عميقًا في الماضي، وتحديدًا في فشل مشروع الوطنية السودانية الذي ساد معظم الحكومات السابقة. النظام السابق، الذي رفع شعارات زائفة وغلف نفسه بعباءات دينية، لم يكتفِ بتزييف الحقائق التاريخية، بل عمد إلى تدمير النسيج الاجتماعي للبلاد بشكل ممنهج. لقد أقدم على بيع مقدرات الوطن والمواطن بأبخس الأثمان، مما أدى إلى تشتيت المؤسسة العسكرية وتحويلها إلى مجرد ميليشيات وشلليات وتجار حرب ودين.
الأخطر من ذلك كان تفكيك النسيج الاجتماعي الأصيل، وزرع الفتن القبلية والجهوية المقيتة، وتهميش قطاعات واسعة من الشعب. هذه السياسات الكارثية أنتجت صراعات سياسية وعسكرية وقبلية لا تتوقف، وتزايدًا مرعبًا في حركات الكفاح المسلح، مخلفة أكثر من ربع قرن من القتل والتهجير والنزوح والدمار. هذا هو الإرث الثقيل الذي يدفع ثمنه السودان اليوم، إرث من العقلية العسكرية التي أوصلتنا إلى هذا المأزق. عقلية لا ترى في الحلول السلمية والتفاوض سوى ضعف، وتتوهم النصر الحاسم في ساحات المعارك، متجاهلة تاريخًا طويلًا من الصراعات التي لم تنتهِ أبدًا بانتصار طرف على آخر، بل انتهت دائمًا بجلوس الجميع على طاولة التفاوض.
“كــــــــرامــــة” زائــــــفة: ::قناع يستر عورات التاريخ
من المفارقات المؤلمة حقًا أن يدعي بعض من كانوا جزءًا لا يتجزأ من النظام السابق، والذين يتحملون مسؤولية جزء كبير من هذه الفظائع، أنهم يخوضون “معركة الكرامة”. كيف يمكنهم الحديث عن الكرامة وهم من باعوا الوطن وكرامة الشعب؟ وهم من فرّطوا في أراضي السودان الغالية، وفي جواز سفر المواطن الذي أصبح بلا قيمة، وفي المؤسسات الخدمية والجامعات التي دمرت، وحتى في الناقل الوطني كـ”سودانير” والسكك الحديد التي بيعت بأبخس الأثمان. هؤلاء الذين يحلفون الأيمان الكاذبة بينما تتلطخ أيديهم بالفساد الأخلاقي والاقتصادي والسياسي إلى النخاع.
أي كـــــرامـــــة يتـــــحدث عــــنها الدكتور أمين حسن عمر وغيره في وسائل الإعلام، وهم من تسببوا في قتل الطلاب الأبرياء في الجامعات، ومن أقاموا “بيـــوت الأشـــباح” المرعبة، ودمروا قطاعي الصحة والتعليم، ونشروا الربا والأخلاق المشينة في المجتمع؟ لقد قتلوا الناس في دارفور والنيل الأزرق وكردفان بوحشية، وارتكبوا جرائم بشعة بالطائرات وقصفوا المدنيين، وزوروا شهادات الوفاة وتقارير الطب الشرعي. إنها “كرامة” مبنية على الدماء والدمار، وليست كرامة وطنية حقيقية تنبع من حب الوطن والشعب. هؤلاء الذين يوهمون أنفسهم بالانتصار الآن، فلينتظروا قيام الساعة! وهل يمكن أن تُسمى الأفعال والسلوكيات التي تحدث في هذه الحرب “كــــــرامــــة”؟ من أبشع أنواع القتل والقصف بالطيران الحربي والمدافع والصواريخ، وقتل الأبرياء، واتهام كل من قال “لا للحرب” بالخيانة، وتطبيق ما يسمى “قانون الوجهة القريبة” الذي يبيح النهب والسرقة! هذه سلوكيات لم تحدث حتى في زمن الجاهلية. ونحن كمسلمين، هل هذه أفعالنا؟ “ولا تحسبن الله غافلًا عما يعمل الظالمون” [إبراهيم: 42].
الكــــــرامـــــة الحـــقيقيـة: ::وقف الحرب فورًا.. وضمير حي ينبض بالوطن
يا شعب السودان العظيم، نحن اليوم ندفع فاتورة مؤجلة لسنوات من الظلم والفساد واللاوطنية. إن الكرامة الحقيقية للشعب السوداني اليوم تكمن في إيقاف هذه الحرب فورًا ودون قيد أو شرط. ليس هناك كرامة في الصراع على السلطة والكراسي بينما يُقتل أبناؤنا وبناتنا، ويُهجر أهلنا، وتُسرق ممتلكاتنا. فهل يمكن الحديث عن حكم شعب تم قتله بالقصف الجوي والمدافع والصواريخ؟ الكرامة الحقيقية هي وقف القتل، وقف النزوح، وقف الدمار.
لقد أوصلتنا العقلية العسكرية، التي ترفض التفاوض وتتوهم النصر الحاسم، إلى هذا المستنقع الدامي. فكل الدلالات والمؤشرات السابقة من حروب واقتتال وصراعات قبلية لم تنتهِ بانتصار طرف على آخر، بل العكس، انتهت دائمًا بجلوس الجميع على طاولة التفاوض. ومن يوهمون أنفسهم بانتصار طرف على طرف آخر، فلينتظروا قيام الساعة! نعم، النصر الحقيقي يأتي من الله وحده، وليس من سفك الدماء والخراب. وكما قال تعالى في كتابه الكريم:
﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (آل عمران: 126).
إن النـــــصـــر في الإسلام يأتي باتباع طريق الحق، والتوسل إلى الله بقلب خالص، مع التوقف عن السرقة وقتل الأبرياء، والالتزام بمعايير الجهاد الإسلامي كما حدث في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم في كل الغزوات. لكن في ظل السلب والنهب، وقتل الأبرياء، والكثير من الأشياء غير الأخلاقية التي تمارس في هذه الحرب، لا تبشر بالانتصار. والله أعلم.
لا يـــــمكـــن حــــل مشــــــكلة الســـــودان المعـــــقدة إلا بتشخيص صحيح يضع مصلحة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار، بعيدًا عن مصالح المتصارعين الشخصية وحساباتهم الضيقة. إن مستقبل السودان مرهون بقدرة قواه الوطنية الحقيقية على تجاوز الأنانية، والعمل بصدق من أجل إنهاء نزيف الدم، وإعادة بناء دولة تقوم على العدل والمساواة، والوطنية الصادقة، وضمير حي ينبض بحب السودان. فهل يرتفع صوت العقل والحكمة، وتتعالى صيحات الضمير الحي، لينقذ السودان من شبح الانقسام الأبدي؟




