رحلة بلا عودة: شبان دارفور وكردفان بين الإبعاد القسري وسجون بورتسودان
التنوير تقرير خاص

التنوير تقرير خاص
لم تعد قصص السودانيين المرحّلين من دول الخليج مجرد وقائع إدارية مرتبطة بمخالفات الإقامة، بل تحوّلت في الأشهر الأخيرة إلى ملف إنساني وسياسي شديد الحساسية، بعد تصاعد التقارير التي تتحدث عن ترحيل شبان من إقليمي دارفور وكردفان إلى مدينة بورتسودان في ظروف غامضة، ترافقت في بعض الحالات مع اعتقالات فور الوصول واختفاء آخرين دون معلومات واضحة عن مصيرهم.
هذه الروايات التي تتناقلها أوساط الجاليات السودانية في الخليج تثير أسئلة كبيرة حول ما إذا كانت تلك العمليات مجرد إجراءات قانونية اعتيادية، أم أنها تعكس نمطاً جديداً من التعامل مع بعض السودانيين على أساس خلفياتهم الاجتماعية أو مناطقهم الجغرافية في ظل تعقيدات الحرب الدائرة في البلاد.
أزمة الجوازات وبداية الطريق إلى الإبعاد
تبدأ القصة وفق إفادات متطابقة من أبناء الجالية السودانية عند بوابات السفارات السودانية في دول الخليج، حيث واجه عدد كبير من الشبان صعوبات في تجديد جوازات سفرهم خلال الأشهر الماضية.
وبحسب تلك الشهادات، فإن تعطل إجراءات التجديد أو رفضها في بعض الحالات أدى إلى انتهاء صلاحية الإقامة القانونية للعديد من السودانيين، الأمر الذي وضعهم تلقائياً تحت طائلة قوانين الإبعاد الإداري المعمول بها في تلك الدول.
في العادة، تسمح بعض الأنظمة القانونية للمخالفين باختيار وجهة السفر عند ترحيلهم، إلا أن مصادر من داخل الجاليات السودانية تشير إلى أن خطابات صادرة من السفارات السودانية – بحسب ما يتم تداوله بينهم – كانت تطلب أن يكون الترحيل إلى مدينة بورتسودان تحديداً، وهو ما أثار موجة قلق واسعة وسط السودانيين المقيمين في الخليج.
هذا القلق تضاعف عندما بدأت تتواتر الأخبار عن اعتقال بعض المرحّلين فور وصولهم إلى السودان.
بورتسودان… بوابة العودة أم بداية المجهول؟
تُعد بورتسودان منذ اندلاع الحرب مركزاً إدارياً وسياسياً مهماً في البلاد، لكنها بالنسبة لبعض المرحّلين أصبحت أيضاً محطة غامضة لا يُعرف ما ينتظر العائدين إليها.
وتشير تقديرات غير رسمية يتداولها ناشطون في الجالية السودانية إلى أن عشرات الشبان تم ترحيلهم خلال الأشهر الماضية إلى المدينة، بينهم أكثر من ثمانين شاباً غادروا الكويت وحدها منذ اندلاع الحرب.
غير أن المعلومات المتوفرة حول مصير هؤلاء تبقى محدودة للغاية.
ففي حين عاد بعضهم إلى أسرهم بعد وصولهم، تحدثت مصادر أخرى عن توقيف عدد من الشبان للتحقيق فور وصولهم، بينما اختفى آخرون عن الأنظار دون أن تتمكن أسرهم أو أصدقاؤهم من الحصول على معلومات واضحة بشأن أماكن وجودهم أو أوضاعهم القانونية.
هذا الغموض جعل ملف الترحيل يتحول إلى مصدر قلق متزايد داخل الجاليات السودانية في الخارج.
اتهامات بالانتقاء على أساس الهوية
أكثر ما يثير الجدل في هذه القضية هو الاتهامات التي بدأت تتردد في أوساط الجاليات حول احتمال وجود تعامل انتقائي مع بعض المرحّلين على أساس انتمائهم الاجتماعي أو القبلي.
فبحسب ما يتداوله ناشطون، فإن عدداً من الشبان المنحدرين من دارفور وكردفان يواجهون شكوكاً أمنية مرتبطة بما يوصف أحياناً بـ“حواضن الدعم السريع”، وهو ما قد يؤدي – بحسب تلك الروايات – إلى إخضاعهم للتحقيق أو الاحتجاز بعد وصولهم إلى بورتسودان.
وتشير معلومات متداولة بين أبناء الجالية إلى أن ثلاثة شبان تم ترحيلهم خلال الأيام الماضية، بينهم أفراد من قبيلتي المسيرية والرزيقات، بعد أن رفضت السفارة السودانية تجديد جوازاتهم، وهو ما أدى إلى وقوعهم في مخالفة الإقامة قبل أن يتم توقيفهم وترحيلهم.
ورغم عدم وجود بيانات رسمية تؤكد تلك الاتهامات، فإن تداولها على نطاق واسع يعكس حجم القلق الذي يعيشه كثير من السودانيين في الخارج.
دعوات للتحقيق وحماية السودانيين في الخارج
في ظل هذه التطورات، بدأ ناشطون من أبناء الجاليات السودانية في الخليج يطالبون بفتح تحقيق شفاف حول ملابسات عمليات الترحيل إلى بورتسودان.
ويرى هؤلاء أن من الضروري توضيح طبيعة الإجراءات التي تتم عبر السفارات السودانية، والرد على الاتهامات المتعلقة بفرض وجهة محددة للترحيل دون توفير خيارات بديلة للمبعدين.
كما دعوا حكومة الوحدة والسلام (حكومة تأسيس) إلى التدخل لحماية السودانيين في الخارج، والعمل مع الدول المضيفة لضمان ألا يتعرض أي مواطن سوداني للترحيل إلى مناطق قد يواجه فيها مخاطر الاعتقال أو التضييق.
ويرى مراقبون أن القضية تتجاوز مجرد إجراءات إدارية، إذ تعكس جانباً من التعقيدات التي فرضتها الحرب على حياة السودانيين داخل البلاد وخارجها.
فمع تصاعد الانقسامات السياسية والاجتماعية، يصبح الخوف من الاستهداف أو الاشتباه عاملاً إضافياً يثقل كاهل آلاف السودانيين الذين يعيشون أصلاً تحت ضغط الغربة وعدم الاستقرار.
وبينما لا تزال كثير من تفاصيل هذا الملف غير واضحة، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً لدى الأسر والجاليات السودانية: هل تحولت رحلة العودة إلى الوطن بالنسبة لبعض أبنائه إلى طريق مجهول لا يعرف أحد نهايته؟




