
الصادق آدم المأمون
للإنسان احتياجات لا يصلح حاله بدونها، وفي مقدمتها المعرفة. فهي ليست ترفاً عقلياً أو مجرد إشباع فضول، بل مهمة مقدسة مرتبطة بكرامة الإنسان، وبقدرته على سبر أغوار الكون واكتشاف أسراره.
التعلم فطرة تولد مع الإنسان. هو غريزة للاستمرار، ومهذب للغريزة ذاتها. يضبط الأهواء، فيكون حصناً للفكر ووقاءً للجسد. ومن هنا كان التعليم قضية حياة، لا قضية فصل دراسي.
التعليم والقيم
لا تنفصل المعرفة عن القيم. فاكتساب العلم مرتبط بالصدق، ورفع الضرر، وتعظيم المنفعة. هو ضرورة ناسوتية تصلح دنيا الناس، ولاهوتية تفتح مدخل العبادة الصحيحة والعلاقات المتسقة. العلم وحده بلا قيم يتحول إلى أداة خراب.
عندما تضيع البوصلة
لكل أمة مرتكزات قيمية تُدرس للأجيال. وهذه المرتكزات يجب ألا ترتبط بنظام حكم بعينه، فتختل بزواله. بل ينبغي أن تكون هي الهادي للأنظمة، والضابط لقيم الحكم، والمشكل للوعي الوطني للقادة.
المشكلة تبدأ حين تطوع النخبة الحاكمة مناهج التعليم لخدمة مصالحها أو أيديولوجيتها. حين تتجاهل قيم التنوع والتعدد، وتفشل في ابتداع طرق ناجعة لإدارة هذا التنوع. النتيجة: ثقوب في الهوية الجامعة، وانعكاس لسلم الترقي، وتمهيد لعصور من التخلف والتردي.
جدل التأصيل والتحديث
أي تحديث يتجاهل الجذور الثقافية للشعوب محكوم بالفشل. سيجد مقاومة صامتة، ويبقى معزولاً، عاجزاً عن تفجير طاقات الأمة. وفي المقابل، لا يوجد تأصيل أمين يزيف التاريخ أو ينكره.
المعادلة الصحيحة هي: تحديث المناهج مع الأخذ بأسباب العصر. وهذا التحديث لا يعني كتاباً جديداً فقط، بل يشمل البيئة المدرسية، والمنهج، والمعلم، وتكنولوجيا التعليم، وأساليب التدريس كلها.
وثورة الذكاء الاصطناعي
اليوم تبرز مخاوف جديدة. فرضية تقول إن الذكاء الاصطناعي سيخصم من الإبداع والتفكير الخلاق لدى النشء. وهذا يخلق هوة شاسعة بين من يتعلم بالطرق التقليدية، ومن يستخدم وسائط حديثة توفر الجهد والوقت.
هنا تصبح المساواة في الفرص المتكافئة قضية مصيرية تقتضي النظر والتدخل العاجل. فالتعليم في زمن الذكاء الاصطناعي إما أن يكون جسراً للتقدم، أو فجوة جديدة للانقسام.
أخيراً
التعليم ليس مشروع وزارة. هو مشروع أمة. فإن صلحت بوصلة التعليم، صلحت الأمة. وإن انحرفت، دفعنا الثمن أجيالاً.




