رأي

تعنت “بورتسودان” ومرونة “تأسيس” في ميزان الواقعية السياسية

عماد جدو

 

عماد جدو 

​يمر السودان بمنعطف تاريخي خطير تتداخل فيه الكارثة الإنسانية بالانسداد السياسي. وفي خضم هذا الواقع المعقد، ينبري الكثير من المحللين لرسم سيناريوهات للمستقبل مدفوعة بـالأشواق والرغبات الشخصية”، متناسين قراءة موازين القوى الحقيقية على الأرض وطبيعة المواقف السياسية للأطراف المتحاربة تجاه مبادرات السلام وفتح الممرات الإنسانية.

​للإجابة عن التساؤل الجوهري حول الجهة المؤهلة لإدارة مرحلة “ما قبل الانتقال” وفتح الممرات، يجب وضع المواقف السياسية والعسكرية الراهنة تحت مجهر النقد والتحليل، مستصحبين الدروس التاريخية من تجارب إقليمية ودولية مشابهة.

 

​ مواقف الأطراف وعراقيل صناعة السلام

​لتقييم قدرة وأهلية الأطراف في إدارة مرحلة ما قبل الانتقال وفتح الممرات، يجب تفكيك سلوكهم السياسي والميداني الحالي:

جيش الحركة الإسلامية وسلطة بورتسودان (نهج التعنت والعراقيل)

​تستمد هذه الجبهة شرعيتها من كونها تمثل “حكومة الأمر الواقع”، لكنها واقعياً تقع تحت تأثير وتوجيه كتائب الحركة الإسلامية وحلفائها من الحركات المسلحة. يتسم سلوك هذه الجبهة بوضع عراقيل مستمرة أمام المبادرات الدولية والإقليمية الداعية للهدنة ووقف إطلاق النار، ويظهر ذلك في:

​اشتراطات تعجيزية: الإصرار على شروط إجرائية معقدة قبل الجلوس لأي تفاوض حقيقي، مما يؤدي إلى إفشال منبر جدة، ومقاطعة مبادرات الاتحاد الأفريقي وإيجاد. ومبادرة الرباعية والخماسية واخرها ماقدمه المبعوث الأمريكي لدي السودان مسعد بولس وتصريحه بان المجلس العسكري ظل يرفض كل المبادرات باعلان هدنه توصل لاتفاق لوقف اطلاق النار .واخرها قبل ثلاثة ايام ورفض رئيس المجلس البرهان لهذه المبادرة .

​تسييس العمل الإنساني.استخدام السيطرة على الموانئ والمطارات (في بورتسودان) كأداة ضغط سياسي وعسكري، وعرقلة منح التأشيرات والتصاريح للمنظمات الدولية، ومنع وصول المساعدات عبر الحدود إلى المناطق الخاضعة لسيطرة خصومهم، مما يفاقم المجاعة.

​الارتهان لأجندة الحرب: ترى الكتائب الإسلامية داخل هذه السلطة أن أي وقف لإطلاق النار أو تسوية سياسية تعني نهايتها وتفكيك نفوذها التاريخي، وبالتالي تدفع نحو خيار الحسم العسكري المستحيل، معطلة أي بارقة أمل لإدارة انتقالية مدنية.

​ تحالف “تأسيس وحكومة السلام(الترحيب والانفتاح)

​في المقابل، يبدي تحالف تأسيس(الدعم السريع والقوى المدنية المتحالفة معه في سياق السلام) مرونة سياسية واضحة تترجم في الترحيب المستمر بكافة المبادرات الداعية لوقف الحرب.

​الاستجابة للمبادرات. أبدى هذا الطرف جاهزية متكررة للتوقيع على هدن طويلة الأجل، والتعاطي الإيجابي مع مقترحات الآليات الدولية والإقليمية.

​تسهيل الممرات الإنسانية: يعلن التحالف التزامه بحماية قوافل الإغاثة وتسهيل حركتها في مناطق سيطرته الواسعة (في غرب ووسط السودان)، معتبراً أن الإغاثة يجب ألا تُستخدم كسلاح في الحرب.

​رؤية ما قبل الانتقال.يطرح التحالف رؤية تقوم على تسليم السلطة لقوى مدنية عريضة وإعادة تأسيس الدولة على أسس ديمقراطية، مما يمنحه مقبولية أكبر لدى المجتمع الدولي الساعي لإنهاء الأزمة. والتصريح الصحفي لحكومة السلام من الناطق الرسمي الذي ابدي تفهمه لفتح ممرات امنه في مدينة الأبيض قبل دخول قوات تأسيس لتحريرها من قبضة الجيش والكتائب الإسلامية وملايش الحركات المسلحة.

​ ان الخيار الدولي.القوات الأممية والمظلة المدنية (تحالف حمدوك)

​وهو السيناريو الذي يفترض تدخلاً دولياً لفرض ممرات آمنة ودعم سلطة مدنية بقيادة تحالف تقدم (بقيادة عبد الله حمدوك)، والكتلة الديمقراطية، والقوى المقاومة مثل عبد الواحد محمد نور والبعثيين والمؤتمر الشعبي. هذا الخيار يمثل تطلعات الشارع الساعي للتحول الديمقراطي، لكنه يصطدم بعقبة السلاح على الأرض.

​ثانياً: استدعاء التجارب التاريخية (إسقاط التوقعات على الواقع)

​لمعرفة مآلات هذا التعنت والترحيب، لا بد من استرجاع دروس التاريخ لتنوير المتلقي وهدم التحليلات الرغائبية:

​ تجربة اليوناميد في دارفور (حدود القدرة الأممية)

​أثبتت تجربة بعثة “اليوناميد” في دارفور سابقاً أن القوات الدولية (الأممية) لا يمكنها فتح ممرات إنسانية بالقوة إذا واجهت تعنتاً ورفضاً من سلطة الأمر الواقع المسيطرة على الموانئ والمجال الجوي. القوات الأممية تحتاج لتوافق سياسي، وبدون موافقة الأطراف على الأرض، تتحول هذه البعثات إلى هيئات عاجزة عن حماية نفسها، فضلاً عن حماية المدنيين.

​ تجربة أفغانستان وحامد كرزاي (هشاشة السلطة المصنوعة خارجياً)

​عندما جاء المجتمع الدولي بحامد كرزاي وحكومته المدنية مدعوماً بقوات الناتو، تم تجاوز القوى الميدانية الصلبة (طالبان).

​ بمجرد انسحاب المظلة الدولية، انهارت الحكومة المدنية وعادت القوة الأرضية للصدارة. هذا يعني أن أي محاولة من تحالف حمدوك والقوى المدنية لإدارة فترة ما قبل الانتقال عبر رافعة دولية فقط، ودون صيغة سلام تشمل القوى العسكرية الفاعلة والمرحبة، ستنتج سلطة هشّة لا تقوى على الصمود.

​ التجربة السورية (نهاية نظام التعنت رغم حلفائه)

​عاش النظام السوري سنوات طويلة معتمداً على تعنته العسكري والرفض المطلق للتنازلات، مستنداً إلى دعم روسي وإيراني هائل وظن قطاع واسع أن هذا الوضع سيستمر للأبد. لكن بمجرد تغير الحسابات الإقليمية وانشغال الحلفاء، انهار النظام بشكل متسارع أمام القوى الميدانية.

​ إن تعنت جيش الحركة الإسلامية وسلطة بورتسودان ورفضهم للهدن، مراهنين على تحالفات خارجية أو حسم عسكري، هو استنساخ للمقاربة السورية الخاسرة. التحولات الدولية المفاجئة كفيلة بإنهاء سلطة الأمر الواقع مهما تحصنت، فالاستقواء بالخارج والهروب من استحقاقات السلام ينتهي دائماً بالسقوط الحتمي.

​بناءً على المعطيات الراهنة والتجارب

​في فتح الممرات الإنسانية: يمتلك تحالف تأسيس وحكومة السلام الأهلية الأخلاقية والسياسية والميدانية الأكبر لفتح الممرات نظراً لترحيبه بالمبادرات وتمدده ميدانياً في مناطق الكثافة السكانية المتضررة. ومع ذلك، يظل دور سلطة بورتسودان محورياً من الناحية اللوجستية (الموانئ)، مما يفرض ضغطاً دولياً لكسر تعنتها وتسييسها للمساعدات لضمان تدفق الإغاثة.

​في إدارة فترة ما قبل الانتقال: إن تعنت الحركة الإسلامية وجيشها يخرجهم تدريجياً من الترتيبات المستقبلية المقبولة دولياً وإقليمياً، مما يعزز من فرص التحالف المدني العريض . بالتنسيق مع القوى الميدانية المرحبة بالسلام (تحالف تأسيس). هذا التناغم بين المرونة العسكرية والغطاء المدني هو الصيغة الواقعية الوحيدة القادرة على إدارة مرحلة ما قبل الانتقال، متجاوزةً أوهام الحل العسكري وسلطة الأمر الواقع المعزولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!