رأي

تعليم تحت الجباية… كيف تضاعفت رسوم الشهادة في ولاية الجزيرة من قرار اتحادي إلى فوضى فساد؟

مؤيد الأمين

 

مؤيد الأمين

في ولاية الجزيرة، لم يعد الفساد مجرد خلل إداري يمكن تجاوزه بالإصلاحات الجزئية، بل أصبح سلسلة مترابطة من القرارات والزيادات غير المبررة، تبدأ من المركز، وتتمدّد عبر الولاية، وتنتهي عند باب المدرسة، حيث يُستنزف المواطن حتى آخر ما تبقى له من قدرة على الاحتمال.

بداية الأزمة كانت مع قرار وزارة التربية والتعليم الاتحادية تحديد رسوم امتحانات الشهادة بمبلغ 50,000 جنيه. ورغم أن هذا المبلغ نفسه يُعد عبئاً ثقيلاً على أسر أنهكتها الحرب، والنزوح، وغلاء المعيشة، إلا أنه كان قراراً واضحاً ومحدداً من جهة اتحادية. غير أن ما حدث في ولاية الجزيرة كشف كيف يتحول القرار المركزي إلى فرصة للجباية والفساد، لا إلى التزام إداري.

فبدلاً من الالتزام بالمبلغ الاتحادي، قام وزير التربية والتعليم بولاية الجزيرة برفع الرسوم إلى 110,000 جنيه، تحت مبررات “التأمين والترحيل” ودعم مراكز الامتحانات. هكذا، وبقرار ولائي، تضاعف العبء على المواطن دون نقاش مجتمعي، ودون شفافية، ودون مراعاة للظروف القاسية التي يعيشها الناس. هذه الزيادة لم تكن مجرد تعديل مالي، بل كانت إعلاناً واضحاً بأن جيب المواطن هو الحل الأسهل لسد فشل الدولة.

لكن المأساة لم تتوقف عند هذا الحد. فبعد الرسوم الاتحادية، ثم الزيادة الولائية، جاءت إدارات التعليم بالمحليات وإدارات المدارس لتضيف طبقة جديدة من الرسوم. كل مدرسة تقريباً تفرض مبالغ إضافية، بمسميات متعددة: دعم المدرسة، تحسين البيئة، مساهمات إدارية، حراسة، أو حتى رسوم بلا مسمى. وهنا يتحول التعليم إلى عملية جباية مركبة، يدفع فيها المواطن ثلاث مرات: للاتحاد، للولاية، وللمدرسة.

السؤال الذي لا يجد إجابة: أين تذهب كل هذه الأموال؟

هل تخضع هذه الزيادات لمراجعة مالية؟

هل تُورد لخزينة عامة؟

هل تُصرف وفق خطط واضحة لتحسين البيئة التعليمية؟

الواقع على الأرض يجيب بوضوح مؤلم. المدارس ما زالت في حالها: فصول مكتظة، بنية تحتية متهالكة، نقص في المعلمين والكتب، وبيئة تعليمية طاردة. لا أثر ملموس لكل هذه الأموال، ما يفتح الباب واسعاً للشكوك حول سوء الإدارة والفساد، خاصة في ظل غياب الشفافية والمساءلة.

تبرير إدارات التعليم والمدارس واحد لا يتغير: “لا يوجد دعم كافٍ من الوزارة”. لكن هذا التبرير، مهما بدا واقعياً، لا يمنح أي جهة الحق في فرض رسوم خارج القانون. إذا كانت الوزارة الاتحادية حددت رسوماً، وإذا كانت الولاية اختارت زيادتها، فإن تحميل الطالب وولي أمره زيادات إضافية داخل المدرسة هو اعتداء صريح على حق التعليم، وليس حلاً للأزمة.

الأخطر من ذلك أن هذه السياسات خلقت واقعاً طبقياً داخل المدرسة الواحدة. طالب يستطيع الدفع فيواصل تعليمه، وآخر يعجز فيُهدد بالحرمان أو يُذل علناً. هكذا يتحول التعليم من حق متساوٍ إلى امتياز، وتتحول المدرسة من مساحة للعدالة إلى مرآة للفقر والظلم الاجتماعي.

ولاية الجزيرة، التي تُجبى فيها الضرائب، والجمارك، والرخص، والرسوم من كل نشاط تقريباً، تعجز – أو تدّعي العجز – عن دعم التعليم. المواطن يدفع في كل اتجاه، ولا يتلقى في المقابل سوى قرارات تزيد العبء، وخدمات تتدهور، وصمت رسمي مريب.

ما يحدث في تعليم ولاية الجزيرة ليس أزمة موارد فقط، بل أزمة إدارة وضمير. فساد يبدأ بزيادة قرار اتحادي دون مبرر مقنع، ويتعمق بفرض رسوم ولائية، ثم يتحول إلى فوضى جبايات داخل المدارس. والنتيجة واحدة: مواطن مُنهك، وطلاب مهددون في مستقبلهم، وتعليم يُدار بعقلية الجباية لا بعقلية بناء الإنسان.

إن وقف هذا الانحدار يتطلب إيقاف كل الزيادات غير القانونية، والالتزام الصارم بالرسوم الاتحادية، ومنع إدارات المدارس من فرض أي مبالغ إضافية، مع فتح ملفات المراجعة والمحاسبة. فالتعليم ليس مورداً للجباية، بل أساس الدولة. وما لم تدرك حكومة الولاية هذه الحقيقة، سيظل مواطن الجزيرة يدفع الثمن… جيلاً بعد جيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!