رأي

الموقف المصري الداعي لاستعادة المسار السياسي: استراتيجية مصرية أم تكتيك انتهازي؟

عباس احمد السخي

في تطور لافت لمواقف القاهرة تجاه الحرب السودانية، خرج وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي بتصريحات تؤكد دعم بلاده لوحدة السودان وسلامة أراضيه، داعياً إلى وقف فوري ومستدام لإطلاق النار، وإلى تغليب لغة الحوار والحل السلمي. تصريحات عبد العاطي لم تأتِ في فراغ، بل تعكس تحولًا ملحوظًا – أو ربما اضطراريًا – في سياسة مصر تجاه النزاع المحتدم في السودان منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023.

فهل تمثل هذه الدعوة المصرية المتجددة للتهدئة والعودة إلى المسار السياسي استراتيجية بعيدة المدى تنبع من قناعة مبدئية بضرورة استقرار السودان؟ أم أنها خطوة تكتيكية انتهازية فرضتها متغيرات جديدة في الميدان، تهدد الأمن القومي المصري بشكل مباشر، وتضغط على الاقتصاد المصري المنهك أصلًا؟ هذا التحول اللافت في اللهجة والموقف يبدو نابعاً من جملة من المتغيرات المفصلية التي أعادت تشكيل خريطة الأزمة السودانية وامتداداتها الإقليمية.

أولى هذه المتغيرات تتمثل في اقتراب الحرب فعليًا من خاصرة مصر الجنوبية، بعد أن تمكنت قوات الدعم السريع من السيطرة على منطقة المثلث الحدودي بين السودان ومصر وليبيا، وهي منطقة لطالما اعتبرتها القاهرة نقطة تماس استراتيجية شديدة الحساسية. وللمرة الأولى، باتت قوات مناوئة للحكومة المركزية السودانية قريبة من حدود مصر، ما يعني أن الحرب السودانية لم تعد شأناً سودانيا صرفا بعيدًا مصر نفسها. وعلى الرغم من حرص القاهرة على إظهار موقف متوازن نظريا رغم تدخلها السافر في الشأن المصري، فإن هذه التطورات الميدانية تدفعها إلى مراجعة حساباتها الأمنية بشكل عاجل، وهو ما يفسر السعي نحو خطاب أكثر اعتدالاً وتوازناً، وربما تمهيدًا لتفاهمات جديدة مع قوى كانت تُعد حتى وقت قريب “خارجة عن الشرعية”.

المتغير الثاني، هو التطور النوعي في قدرات الدعم السريع القتالية، بعد انسحابه من العاصمة الخرطوم ووسط السودان. فقد كشفت العمليات التي نفذتها هذه القوات في ولايات شمالية وشرقية كانت تُعد آمنة نسبياً، عن مرونة تنظيمية، وقوة لوجستية متقدمة، وقدرة عالية على إعادة الانتشار والاستفادة من الفراغات الأمنية. هذه الديناميكية الجديدة أربكت حسابات كثير من الفاعلين الإقليميين، وفي مقدمتهم مصر، التي لطالما فضّلت وجود جيش سوداني مركزي ضعيف لكنه مألوف، على نشوء قوة عسكرية غير مركزية، متحركة، وذات طموح سياسي معلن. فالدعم السريع لم يعد مجرد فصيل مقاتل، بل بات فاعلاً سياسياً وعسكرياً يمتلك الأرض، ويتجه بخطى واثقة نحو بناء مشروع بديل للدولة المركزية المهترئة.

ويأتي إعلان المجلس القيادي لتحالف “تأسيس” بقيادة محمد حمدان دقلو ونائبه عبد العزيز الحلو، ليؤكد أن هذه القوة العسكرية بصدد التحول إلى مركز سياسي جديد، يعمل على إعادة صياغة مشروع الدولة السودانية على أسس جديدة. بالنسبة لمصر، يمثل هذا الإعلان تطورًا صادماً، إذ لطالما سعت إلى الحيلولة دون بروز أي كيان سياسي بديل عن الخرطوم التاريخية، بل وفضّلت إدارة الأزمة عبر قنوات نخبوية تقليدية تربطها مصالح اقتصادية وأمنية راسخة بالقاهرة. أما اليوم، فإن هذه النخبة تفقد نفوذها لصالح تحالف عسكري–مدني يملك من أدوات السيطرة والتأثير ما يجبر دول الجوار – وعلى رأسها مصر – على التفاعل معه كأمر واقع، وليس كظاهرة عابرة.

ولا يمكن فهم الموقف المصري الجديد دون الإشارة إلى الأثر الاقتصادي العميق الذي ألحقته الحرب بالاقتصاد المصري. فاستمرار الصراع في السودان أدى إلى تعطيل الإمدادات الحيوية القادمة من الأراضي السودانية، لا سيما من المناطق الزراعية والرعوية التي باتت تحت سيطرة الدعم السريع، والتي طالما شكلت مصدرًا أساسيًا لصادرات السودان إلى مصر. اللحوم، الماشية، السمسم، والصمغ العربي، كلها سلع تضرر تدفقها بشكل مباشر إلى السوق المصري، مما تسبب في ارتفاع الأسعار، وتعطيل شبكات التجارة العابرة، وألقى بمزيد من الضغط على الاقتصاد المصري المتعثر. هذه الأضرار جعلت من العودة إلى الاستقرار في السودان مسألة تتجاوز البُعد الإنساني أو القومي، لتغدو ضرورة اقتصادية ملحة، خاصة مع تصاعد الاحتقان الاجتماعي في الداخل المصري.

من هنا، يتضح أن الموقف المصري الأخير لا يمكن قراءته بمعزل عن هذه المعطيات الطارئة. فاللهجة الداعية إلى وقف الحرب واستعادة المسار السياسي ليست نابعة فقط من حرص تقليدي على السودان الموحد، بل هي محاولة حقيقية – وإن كانت متأخرة – للتأقلم مع واقع جديد يتشكل على حدود مصر الجنوبية، ويهدد أمنها واقتصادها وسياستها الإقليمية.

يبقى السؤال: هل ستمضي القاهرة قدمًا في هذا النهج البراغماتي الجديد، وتعيد تموضعها لتصبح وسيطًا نزيهًا يتواصل مع كل الأطراف السودانية بلا استعلاء أو انتقائية؟ أم أن هذا التحول ليس سوى مناورة تكتيكية مؤقتة لاحتواء تهديدات آنية، بانتظار أن تتغير الموازين مجددًا لصالح حليفها القديم في الخرطوم؟

الإجابة على هذا السؤال مرهونة بتحولات الأيام القادمة، لكن المؤكد أن السودان الذي بات يطل على حدود مصر من خلال قوى جديدة، لم يعد سودان الأمس، وأن انتهاج سياسة “الحياد الانتقائي” لم يعد مجدياً. فإما الانخراط الجاد في مسار سياسي شامل يضمن استقراراً دائماً، أو الاستعداد لمواجهة تداعيات فوضى شاملة لا تبقي ولا تذر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!