

في يناير من العام المنصرم، فرضت واشنطن عقوبات على الجيش بتهمة تنفيذ هجمات ضد المدنيين، وهذه حقيقة دامغة لكل من ألقى السمع وهو شهيد، وتؤكد أن المجتمع الدولي يعلم تمامًا حجم الجرائم والانتهاكات التي ظلّ الجيش يرتكبها بحق المواطنين الأبرياء العزل، الذين لا حول لهم ولا قوة.
والمؤسف للغاية أن المنظمات الحقوقية يخيّم عليها صمت مذهل، بينما جيش البرهان المختطف بواسطة جماعة الإخوان المسلمين وكتائبهم الإرهابية يمارس كل أشكال الإرهاب والرعب والقتل الممنهج. وطيرانهم، بمعاونة سلاح الجو المصري، يمارس الإبادة الجماعية، ويقف إلى جانب جيش ظلّ، على مدى سبعة عقود، يمارس العنف ضد الشعوب والقوميات المختلفة، خاصة المجموعات الإفريقية في دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق، وشرق السودان.
وعندما لاحت بارقة أمل لهذه الشعوب المهمّشة، بانطلاق تحالف “السودان التأسيسي”، الذي ضمّ أصحاب المصلحة الحقيقيين لتأسيس دولة سودانية على أسس جديدة، عادلة، ومستدامة… هرعت الدولة المركزية، دولة أصحاب الامتيازات التاريخية، مسنودة بدول “محور الشر” وعلى رأسها تركيا وقطر وإيران وبعض الضيعات العربية التي لا يمكن أن نطلق عليها اسم “دول”، إلى إعلان رفضها لقيام حكومة أهل المصلحة، التي تمثّل طيفًا واسعًا من الشعوب بخلفياتهم الفكرية والسياسية والجغرافية والثقافية والاجتماعية والفئوية، بل أقدمت على تقديم دعم عسكري لاستهداف السودان في شعوبه، والوقوف ضد أي محاولة لتأسيس دولة قادرة على توظيف مواردها وتفجير طاقاتها وبناء مشروعها المدني الراشد.
لكن ما لا تُدركه هذه الأنظمة الأوليغارشية هو أن إرادة الشعوب لا تُقهر، مهما تكالبت عليها الأعداء، وأنها بالغةٌ مقاصدها، مهما يكن حجم التآمر.
خلال هذه الحرب التي أشعلها فلول النظام البائد بغرض إجهاض الثورة الشعبية والعودة إلى السلطة فوق جماجم وأشلاء ودماء الشعب السوداني، شنّ طيران مليشيات الجيش، وبتدبير ومشاركة واسعة من سلاح الجو المصري، غارات جوية كثيفة ومتواصلة على المدنيين، فقتل وأصاب الآلاف دون رحمة أو شفقة، في سلوك بربري ممنهج، انتقائي، غاشم، إضافة إلى عمليات تدمير للبنية التحتية.
وهذه الممارسات الإجرامية ليست استثناء، بل سلوك متجذّر ظلّ يمارسه جيش “البازنقر” منذ القدم؛ فقد ارتكبت هذه المليشيا – الأكبر والأكثر وحشية في القارة السمراء – مجازر تشيب لها الولدان في جنوب السودان، حيث اغتالت قرابة مليوني نفس، أغلبهم من النساء والأطفال والعجزة.
المؤسف أن هذا الجيش هو من صنع كل أزمات البلاد، ونهب مواردها، وصادر حقوق شعوبها، باحتكاره للعنف، وتفريخه للمليشيات، استمرارًا لحمامات الدم. وما تفعله كتائب البراء الإرهابية من ذبح للبشر، وبقر للبطون، وتوثيق لهذه الجرائم، يفوق كل ما عُرف من بشاعة. لم تحدث مثل هذه الفظائع حتى في رواندا.
إن ما يجري اليوم يبرهن أنهم، حقًا، “يفوقون سوء الظن العريض”، كما وصفهم الراحل المفكر محمود محمد طه. لقد تجاوز الأمر الفظاعة، وتخطى الشر المستطير، في حربٍ زُيّنت باسم “الكرامة”، وهي في حقيقتها حرب إبادة منظمة. وما خفي أعظم، وأنكى، وأكثر تنكيلاً. ولكن، النتيجة الحتمية لهذه الهستيريا الداعشية، أنها ستقابل بحملات ثأر لا تبقي ولا تذر، وحينها… سيعلم الظالمون أيّ منقلبٍ ينقلبون.
والمؤلم أن معظم المنظمات السودانية العاملة في الحقل الإنساني، ومنظمات المجتمع المدني، ظلت تغض الطرف عن هذه الفظائع، لأنها أصلاً مرتبطة بالدولة الموروثة عن المستعمر، والتي تجذّرت مصالحها من خلال السيطرة المحكمة على معظم مؤسسات الدولة. يُضاف إلى ذلك استشراء ثقافة تمكين الجيش، وتقديمه كـ”جيش وطني”، وهي سردية زائفة لا تقوم على أي حوامل موضوعية أو بواعث أخلاقية، بل محض افتراء وأكاذيب دُقّت في الآذان لسبعة عقود، واستُخدمت مناهج كاملة لغسل الأدمغة، حتى بات بعض أصحاب المظالم التاريخية أنفسهم يخدمون، دون وعي، مصالح أصحاب الامتيازات التاريخية.
وإلا، كيف نفهم أن حركات ظلت تناضل لعقود ضد الدولة المركزية، تعود اليوم لتصطف مع الجلاد الذي ظل لأكثر من قرن يبطش بشعوب الهامش الواقفة على الرصيف؟!
بل زادت هذه الحركات من التنكيل بتلك الشعوب التي لا بواكي لها، وما حدث بمنطقة طرة من قصف بالبراميل الحارقة، والفسفور الأبيض، والأسلحة المحرّمة دوليًا – راح ضحيته ما يقارب 500 مدني أعزل – هو مجزرة تقف شاهدًا دامغًا على وحشية جيش جنت باشا، ومثالاً حيًا على القتل الانتقائي والقتل على أساس الهوية.
وهذا ما يمنح تحالف السودان التأسيسي مشروعية المضي قدمًا في معالجة الاختلالات البنيوية والتاريخية التي صاحبت ما يُعرف بالدولة السودانية، وعلى رأسها: تأسيس جيش قومي جديد، يعكس التنوع السكاني والجغرافي في السودان، وينطلق من عقيدة قتالية تقوم على حماية الحدود والسيادة، لا الارتهان للخارج، ولا التآمر ضد الشعب والوطن.




