رأي

برام… حين تتحول الهواية إلى استنزاف للثروة الطبيعية

محمد تاج الدين الحلو

 

محمد تاج الدين الحلو

اليوم طالعت فيديو من سوق برام، فأحزنني كثيرًا، وأعاد إلى ذهني صورًا جميلة من أيام مضت، حين كانت برام بلد الألوز والرز والورل الكبير، أرضًا عامرة بالخيرات، تتناغم فيها حياة الإنسان مع الطبيعة دون أن يطغى أحدهما على الآخر.

في تلك الأيام، كانت الحبوبات يخرجن مع إشراقة الصباح يحملن الصواصل، ويتوجهن إلى البوطة، حيث الرز الطبيعي والكريب. لم يكن يمضي وقت طويل حتى يعدن بما يكفي أسرهن من الرز والكريب، الذي كان يدخل مع اللبن في إعداد الوجبة الأساسية. كانت الحياة بسيطة، لكنها غنية بما تجود به الأرض.

أما الشباب، فكانت رحلتهم تبدأ بحمل الزيت والبصل، وهما أهم أغراض الرحلة، ثم الانطلاق إلى مناطق الصيد؛ الوزين، تور أم كور، أم جليلي، أم كشك، والحبار وحداد الوادي. كنا نصطاد كهواة، نستمتع بالطبيعة، ونتنافس في الرماية ببندقية الخرطوش، ثم نعود مساءً سعداء بما رزقنا الله، ونهدي ما تبقى من الصيد إلى أهل الحي والجيران. لم يكن الصيد تجارة، بل كان هواية ومتعة، وحدودها معروفة عند الجميع.

ما شاهدته اليوم في سوق برام يطرح سؤالًا مؤلمًا: كيف تحولت تلك الهواية إلى تجارة علنية تُباع فيها الطيور البرية على مرأى ومسمع من السلطات؟

لقد كانت إدارة الصيد في السابق تتابع حتى الرحّل، وتراقب مواسم الصيد، حتى لا يكون الصيد جائرًا ولا يهدد بقاء هذه الأنواع. أما اليوم، فإن عرض هذه الثروة الطبيعية في الأسواق بهذه الصورة ينذر باستنزافها، حتى نفقدها إلى الأبد.

إن هذه الطيور ليست مجرد طرائد، بل هي جزء من التوازن البيئي، وتتجدد أعدادها في مواسم التكاثر، خاصة في فصل الخريف. وإذا استمر الصيد التجاري دون رقابة، فإننا لا نفقد هواية جميلة فحسب، بل نفقد موردًا طبيعيًا وثروة بيئية لا تُقدّر بثمن.

إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق وزارة الداخلية والسلطات المحلية والجهات المختصة بحماية الحياة البرية، لاتخاذ إجراءات حازمة توقف هذا العبث، وتعيد هيبة القانون، حفاظًا على بيئتنا وتراثنا الطبيعي للأجيال القادمة.

ليتني لم أطالع ذلك الفيديو، فقد عكر صفوي وأيقظ في نفسي حزنًا عميقًا على واقع لم نكن نتمنى أن نراه في برام.

 

        محمد تاج الدين الحلو 

       السبت 4/ يوليو 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!