رأي

​وهم السيادة الحصرية والامتيازات التاريخية الموروثة

مليح يعقوب حماد

 

 

مليح يعقوب حماد

المدير الثقافي بالمركز الإفريقي للديمقراطية و التنمية 

​يضعنا الراهن السوداني أمام أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في السيكولوجية الاجتماعية والسياسية؛ ملف يتطلب وضع الإصبع على جرح “الأيديولوجيا غير المرئية”، أو ما يمكن تسميته بـ “امتياز النفوذ الموروث” وما يصاحبه من وعي زائف بالاستحقاق التاريخي للحكم لدى فئات عريضة في مجتمعات الشمال والوسط. ويسعى هذا المقال إلى تحليل وتفكيك هذه الظاهرة من حيث البنية، والأسباب، وآفاق العلاج.

​أولاً: التقييم والتحليل (تشريح بنية الوهم بالاستحقاق)

​إن شعور بعض الشرائح في أقاليم الشمال والوسط بأنهم “أصحاب البلد” الأحق بحكمها وإدارتها —والذي يتبدى أحياناً في أمثال شعبية إقصائية مثل “الجاي من الغرب ما بسر القلب”—نعتبره سلوك فردي عدائي و نتاج نسق بنيوي مُغذّى أيديولوجياً وتاريخياً.

​يعمل هذا الشعور كآلية دفاعية ونفسية وفق محددين رئيسيين:

​تطبيع الامتياز (Normalization of Privilege): عندما تنحاز الدولة —عبر هندسة الوظائف، والخدمات، والاستثمارات، والتمثيل السياسي— لإقليم معين طوال عقود، ينشأ جيل في هذا الإقليم يرى أن هذا التمييز الهيكلي هو “الوضع الطبيعي للأشياء”. ونتيجة لذلك، يسهل عليه تصديق أن موقعه القيادي المتقدم هو نتاج تفوقه الثقافي أو المعرفي الذاتي، متغافلاً عن حقيقة أن هذا التفوق صُنع في مختبرات انحياز آلة الدولة.

​الفوقية الثقافية كدرع واقٍ: إن الأمثال الشعبية السائدة والموجهة ضد الآخر الجهوي، تُمثّل “أدوات هندسة اجتماعية” صُممت تاريخياً لخلق حدود نفسية واجتماعية تمنع الاندماج الكامل، وتعمل كحائط صد للمحافظة على تراتبية السلطة والثروة القائمة.

​ثانياً: السبب والمسبب (الجذور التاريخية والسياسية للظاهرة)

​لأجل فهم هذه البنية النفسية، لا بد من تتبع ثلاثة مسارات رئيسية أنتجت هذا الواقع:

​1. الاستعمار وهندسة “الكتلة التاريخية الحاكمة” (المسبب التاريخي):

ركّز الاستعمار الثنائي (البريطاني – المصري) خدماته التعليمية، والإدارية، والاقتصادية في مناطق شريط النيل (الوسط والشمال) لاعتبارات تتعلق بسهولة السيطرة، وقرب هذه المناطق من خطوط التصدير. وعندما أطل فجر الاستقلال، تسلمت نخب هذه المناطق جهاز الدولة البيروقراطي والجاهز. وبدلاً من إعادة هيكلة الدولة لتشمل الجميع، قامت هذه النخب بـ “سودنة الامتيازات” عوضاً عن “سودنة الدولة”، فاستمر تركيز التنمية في المركز الجغرافي، وتعمق تهميش الأقاليم الأخرى.

​2. انحياز الأنظمة المتعاقبة وإعادة إنتاج الولاء (المسبب السياسي):

اعتمدت الأنظمة السياسية التي تعاقبت على حكم السودان (عسكرية كانت أم ديمقراطية نخبوية) على “حواضن جغرافية” لحماية سلطتها. ولكي تضمن هذه الأنظمة ولاء سكان الشمال والوسط، غذّت وعيهم الجمعي بصورة نمطية مفادها أنهم “حماة الهوية الوطنية والكيان والدولة” ضد “المهددات القادمة من الأطراف”. لقد نظرت تلك الحكومات إلى ثقافات الوسط والشمال باعتبارها “ثقافة قومية”، في حين تصرفت مع ثقافات الأطراف كمهددات أمنية. وقد بالغ النظام البائد (نظام الإنقاذ) في استخدام هذه الورقة، حيث جيّش المجتمعات على أساس إثني وجهوي لحماية سلطته السياسية تحت غطاء حماية “الأرض والعرض والعقيدة”.

​3. غياب “التعليم الوطني الشامل” (المسبب الثقافي والتربوي):

صاغت المناهج التعليمية والآلة الإعلامية الرسمية طوال عقود تاريخ السودان هوية السودانيين من منظور أحادي، يركز على الرمزية النيلية والعروبية، ويُهمّش الإرث الثقافي والتاريخي لغرب وجنوب وشرق السودان. هذا الحصار الثقافي رسّخ في عقل طفل الشمال والوسط أنه يمثل “المركز” وأن الآخرين “أطراف وهامش” ملحقين بمركزه.

​ثالثاً: أفق العلاج (تفكيك الاستعلاء وبناء وعي المواطنة)

​إن علاج هذه المعضلة النفسية والاجتماعية العميقة لا يتم بالانتقام أو الإقصاء المضاد؛ لأن ذلك يعيد إنتاج الدائرة الشريرة ذاتها ولكن بشكل مقلوب. يتطلب العلاج مسارات متوازية وجريئة:

​1. العلاج الهيكلي (عدالة توزيع السلطة والثروة):

يسقط الوهم بالاستحقاق تلقائياً عندما تتغير الهياكل المادية للدولة، ويتحقق ذلك عبر:

​الفيدرالية الحقيقية الحاسمة: تطبيق نظام حكم فيدرالي حقيقي يمنع تغول المركز، ويمنح كل إقليم الحق في إدارة موارده وتنميتها، مع المشاركة في السلطة الاتحادية وفق معايير سكانية واقعية وعادلة.

​إصلاح الخدمة المدنية والقوات النظامية: مأسسة “قومية المؤسسات” وإلغاء أي تمييز مبني على الجهة أو القبيلة، ليرى إنسان الشمال والوسط أن رئيسه في العمل أو قائده في الجيش يمكن أن يكون من الغرب أو الشرق بكفاءة تامة ودون حساسية جهوية.

​2. العلاج المعرفي والثقافي (تطهير المناهج واللغة):

​ثورة في المناهج التعليمية: إعادة كتابة التاريخ الوطني لتسليط الضوء على إرث المكونات الاجتماعية كافة (سلطنة دارفور، تقلي، ممالك البجا، الممالك النوبية، وممالك الفونج)، ليتعلم الطفل في كل شبر من السودان أن الوطن فسيفساء متساوية الأركان، ولا يوجد فيه “أصل وفرع”.

​تجريم العنصرية قانونياً ودستورياً: سن قوانين صارمة تُعاقب على خطاب الكراهية، والتنميط الجهوي، واستخدام الأمثال العنصرية في الفضاء العام، أو الإعلام، أو المؤسسات، وجعلها جريمة يعاقب عليها القانون بالردع المناسب.

​3. الصدمة المعرفية ونقد الذات من الداخل:

لا يمكن علاج هذا التغييب إلا بظهور “تيار نقدي جريء من داخل مجتمعات الشمال والوسط نفسها”. يجب على المثقفين والكتاب والناشطين من أبناء هذه المناطق قيادة حملة شجاعة لتوعية مجتمعاتهم بأن “الامتياز الموهوم” هو فخ تاريخي دفعوا ثمنه دماءً وأبناءً وحروباً مستنزفة، وأن استقرارهم الحقيقي وازدهارهم لا يتحقق باحتكار الحكم، ولكنه يتحقق بالشراكة العادلة مع بقية أهل السودان. كما يجب توعية هذه الشرائح بأن الفقر والتهميش يضربان ريف الشمال والوسط كما يضربان ريف الغرب والشرق، وأن النخبة الحاكمة تستخدمهم فقط كـ “دروع بشرية” لحماية مصالحها الطبقية والاقتصادية الضيقة.

​خلاصة:

​إن انتقال الدولة السودانية من “دولة الامتياز الجغرافي” إلى “دولة المواطنة بلا شروط” يفرض على نخب وأبناء الشمال والوسط التحرر من وهم “السيادة الحصرية”، تماماً كما يفرض على أبناء الهامش التحرر من “سردية المظلومية المطلقة التي تشيطن المجتمعات بدلاً من النخب”. هذا التحرر المعرفي والأخلاقي المتبادل هو الجسر الوحيد الذي يمكن للجميع العبور فوقه نحو وطن معافى ودولة مستقرة.

​

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!