رأي

هل نُقسم الوطن لنُعالج الظلم؟

عادل تاج الدين جَارَالنبي

في خضم الحرب التي تمزق السودان منذ أبريل 2023، لا يبدو أن الدمار يقتصر على المباني والطرقات. هناك ما هو أعمق وأخطر يحدث في النفوس: شرخ يتسع يومًا بعد يوم بين مكونات الشعب، وخطاب كراهية يتغذى على الخوف، وينمو على أنقاض الثقة. السؤال الذي يطرحه كثير من السودانيين اليوم، ولو همسًا، هو: هل نحن نسير نحو التفكك؟ وهل ما كان يسمى وطنًا واحدًا قد بدأ يتفتت بالفعل؟
السودان بلد متنوع، نعم، وهذه ليست مشكلة. المشكلة كانت دائمًا في الطريقة التي أُدير بها هذا التنوع، وفي من استخدمه كأداة للبقاء في السلطة، لا كمصدر قوة لوطن جامع. على مدار عقود، وُزعت الامتيازات بالجهة، وتفاوتت فرص التنمية بحسب الانتماء، فزرع ذلك الإحساس بالغبن، وأضعف الشعور بالوطن المشترك.
اليوم، ومع الانفجار الأمني والسياسي، تتصاعد الأصوات التي تتحدث عن “أهل الغرب” و”ناس النيل”، “الخرطوم” مقابل “الأقاليم”، وكأننا لم نكن في يوم من الأيام شعبًا واحدًا. يُعاد رسم الخريطة، لا بالحبر، بل بلغة مشبعة بالاتهام والعنصرية والشك المتبادل. بعض الناس بدأوا يتحدثون عن الحكم الذاتي، والفيدرالية، وحتى الانفصال، وكأن الحرب قد فتحت الباب أمام كل الخيارات، بما فيها الأسوأ.
لا أحد ينكر أن الفيدرالية قد تكون جزءًا من الحل، إن جاءت في سياق سياسي ناضج وتوافقي. لكنها حين تُطرح وسط قتال وقنابل، فإنها تفقد معناها، وتتحول إلى تمهيد لتقسيم البلاد تحت لافتة “العدالة”. والسؤال هنا: هل نريد فعلاً أن نحول كل مظلمة تاريخية إلى حدود سياسية جديدة؟ وهل يكفي أن نرسم خطًا على الخريطة لنُحلّ مشكلات تعود لعقود من الإقصاء والتهميش؟
المقلق أكثر أن خطاب الانقسام بات يجد من يروّج له بجرأة، وكأن دروس الماضي، من انفصال الجنوب إلى حروب الأطراف، لم تكن كافية. وكأننا لم نرَ كيف أن التمزق لا يحل شيئًا، بل يفتح أبوابًا جديدة للدماء والدموع.
السودان الآن في لحظة حاسمة. إما أن نواجه الحقيقة بشجاعة ونبدأ من جديد على أساس المساواة والعدالة، أو نواصل طريق التفتت، حيث لا رابح سوى الفوضى. المطلوب اليوم ليس فقط وقف الحرب، بل وقف الانزلاق نحو الكراهية. المطلوب أن نتحدث من جديد بلغة الوطن، لا بلغة القبيلة، وأن نعيد الثقة بأن السودان يتسع للجميع إذا عاد الجميع إليه.
ربما لا يزال هناك وقت. وربما يمكننا أن نقول لأطفالنا يومًا ما: كدنا أن نفقد الوطن، لكننا اخترنا أن نعيده إلينا بدل أن نتركه يضيع من بين أيدينا.

دالاس/تكساس
الجمعة ٤ يوليو ٢٠٢٥

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!