
نجم الدين دريسة
في زمنِ الأزماتِ العاصفةِ التي تُهدّدُ بَتْكَ نسيجِ الأوطانِ، يُفترضُ فيمَنْ يتصدَّوْنَ لِمواقعِ المشورةِ والعملِ السياسيِّ أنْ يتحلَّوْا بالحدِّ الأدنى مِنَ العقلانيّةِ، والمسؤوليّةِ، والقراءةِ الموضوعيّةِ لِلواقعِ. غيرَ أنَّ الحديثَ الأخيرَ لأمجد فريد الطيب، مستشار الشؤون السياسية لِقائدِ الجيش، عبد الفتاح البرهان، أثبتَ بِمَا لا يدعُ مجالاً لِلشَّكِّ أنَّ الرجلَ يهرفُ بِمَا لا يعرفُ، ويُصَدِّرُ تصريحاتٍ تفتقرُ إلى أدنى حواملِ الطرحِ السياسيِّ المتماسكِ أو الأُسُسِ الدبلوماسيّةِ الرصينةِ. إنَّ هذا الحديثَ المأزومَ ليسَ سوى فرقعاتٍ إعلاميّةٍ فارغةٍ لا تسندُهَا حقائقُ الميدانِ، ولا تُعبّرُ إلا عنْ أهواءٍ وشكليّاتٍ شخصيّةٍ لِمُستشارٍ يفتقرُ لِلقراءةِ الاستراتيجيّةِ النافذةِ.
إنَّ الحقيقةَ التي لا يُمْكِنُ القفزُ عليها هي أنَّ مستشارَ البرهانِ يقتاتُ اليومَ مِنْ موائدِ سلطةٍ سليبةٍ، ويُقدّمُ خدماتِهِ الفكريّةَ والسياسيّةَ لِقائدٍ عسكريٍّ أضحى أسيراً ومُختطَفاً بالكاملِ مِنْ قِبَلِ أيديولوجيا تنظيمِ الإخوانِ المسلمينَ (الحركة الإسلامية). هذا التنظيمُ الإجراميُّ هوَ مَنْ أشعلَ فَتِيلَ هذه الحربِ اللعينةِ في منتصفِ أبريل 2023م، وطعنَ مسارَ الانتقالِ الديمقراطيِّ في ظهرهِ بغرضِ العودةِ إلى سدّةِ الحكمِ على أجسادِ السودانيينَ ودماءِ أطفالهم. إنّ مَنْ يتحمّلُ المسؤوليةَ الأخلاقيةَ والتاريخيةَ عنْ مآسي هذه الحربِ وتداعياتها الكارثيةِ ليسَ مَنْ يدافعُ عنْ حقِّ السودانيينَ في المواطنةِ المتساويةِ، بلْ مَنْ أشعلَ النيرانَ في الخرطومِ والولاياتِ، وما يزالُ يصِرُّ بصلفٍ على استمرارِها، رافضاً كلَّ دعاوى الحوارِ ومبادراتِ السلامِ الإقليميةِ والدوليةِ.
إنَّ الممارسةَ السياسيّةَ لِجماعةِ الهوسِ الدينيِّ عبرَ تاريخِهَا المظلمِ لمْ تجلبْ لِلسودانِ سوى الدمارِ والخرابِ؛ فهيَ ذاتُ الممارساتِ الشوهاءِ والأجنداتِ الضيّقةِ التي قادتْ بالأمسِ إلى بترِ جزءٍ عزيزٍ مِنْ أجزاء الوطنِ وانفصالِ الجنوبِ. واليومَ، تعودُ السلالةُ الأيديولوجيّةُ ذاتُهَا لِتُكرّرَ المشهدَ الكارثيَّ بأساليبَ أكثرَ إجراماً، حيثُ يسعى إسلامويو بورتسودان وجيشُهُم المُنقادُ خلفَهم إلى تقسيمِ ما تبقّى مِنْ السودانِ. إنّ إصرارَ هذه المجموعةِ على خطاباتِ الكراهيةِ، وتقسيمِ المجتمعِ على أساسٍ جهويٍّ وعرقيٍّ، وقصفِ المدنيينَ الأبرياءِ بالطائراتِ والمسيّراتِ على الهويةِ في مختلفِ المدنِ، واقترافِ الفظائعِ اليوميةِ، يُمثّلُ المهدّدَ الأوّلَ والأنكأَ لِوحدةِ البلادِ وسيادتِها.
يأتي مستشارُ البرهانِ ليوزّعَ الاتهاماتِ ذاتِ اليمينِ وذاتِ الشمالِ تجاهَ قواتِ الدعمِ السريعِ، في تتفيهٍ ممتدٍّ لِلعقولِ وتزييفٍ لِلواقعِ. يتغافلُ المستشارُ عنْ حقيقةِ أنَّ قواتِ الدعمِ السريعِ تُشكّلُ اليومَ النواةَ الصلبةَ لِـ “تحالفِ تأسيس”؛ وهو التحالفُ السياسيُّ والمدنيُّ الأعرضُ والأكثرُ شمولاً في تاريخِ السودانِ الحديثِ. يتكئُ هذا التحالفُ الممتدُّ على قاعدةٍ جماهيريةٍ عريضةٍ تُغطّي كافةَ أقاليمِ السودانِ، ويحملُ أطروحاتٍ سياسيةً وشجاعةً خاطبتْ لِأوّلِ مرّةٍ بوضوحٍ وجرأةٍ جذورَ الأزمةِ السودانيةِ التاريخيةِ، المتمثلةِ في اختلالِ موازينِ السلطةِ والثروةِ ومصادرةِ القرارِ الوطنيِّ.
إنَّ الهدفَ الأساسيَّ لِتحالفِ تأسيس، والقوةِ العسكريةِ المدافعةِ عنه، هو حمايةُ وحدةِ الترابِ السودانيّ، ومنعُ البلادِ مِنْ الانزلاقِ في مَزَالِقِ التشظّي والانهيارِ الكليّ الذي تسعى إليهِ قياداتُ الجيشِ المختطفةُ ومجموعاتُ الحركةِ الإسلاميةِ لِإقامةِ دويلتِهم الفاشلةِ على ركامِ الوطنِ. إنّ خطاباتِ ومبادراتِ تحالفِ تأسيس لمْ تكنْ يوماً تدعو لِلتجزئةِ أو إقامةِ كِياناتٍ موازيةٍ، بلْ كانتْ دائماً تدعو لِبناءِ دولةِ المواطنةِ الخالصةِ، وتأسيسِ جيشٍ قوميٍّ مهنيٍّ موحّدٍ يبتعدُ عنْ العملِ السياسيِّ والتجاريِّ، وتفكيكِ سيطرةِ التنظيماتِ العقائديةِ التي جثمتْ على صدرِ القواتِ المسلحةِ لِعقودٍ.
من المؤسفِ جدّاً أنْ ينحدرَ الخطابُ السياسيُّ لِمُستشارِ البرهانِ إلى هذا المستوى العقيمِ مِنَ الابتذالِ والافتراءِ، مُتجاهِلاً المعاناةَ الإنسانيّةَ الرهيبةَ التي يُعانيهَا ملايينُ النُّزّاحِ واللاجئينَ السودانيينَ بسببِ تعنّتِ المؤسسةِ العسكريةِ المأزومةِ واحتكارِها لِقرارِ الحربِ والسلامِ. إنَّ هذا الحديثَ يفتقرُ لِأدنى المبادئِ الدبلوماسيةِ المعمولِ بِهَا في التعاطي معَ المبادراتِ الدوليةِ والإقليميةِ الهادفةِ لِإيقافِ العدائياتِ وإيصالِ المساعداتِ الإنسانيةِ؛ فهو خطابٌ ينطلقُ مِنْ عقدٍ شخصيةٍ، وأجنداتٍ ضيّقةٍ، وسعيٍ حثيثٍ لِإرضاءِ كفلاءِ الحربِ في طهران وجماعاتِ الهوسِ الدينيِّ الداخليّةِ.
علينا أنْ نُدركَ تماماً أنَّ محاولاتِ شيطنةِ الطرفِ الآخرِ، وتغييبِ الحقائقِ عبرَ المنابرِ الإعلاميةِ لنْ تُغيّرَ مِنْ الواقعِ الميدانيِّ والسياسيِّ شيئاً. إنّ الشعبَ السودانيَّ الذي ذاقَ الأمرّينِ مِنْ حكمِ الإسلامويينَ ومغامراتِهم العسكريةِ المتكررةِ لمْ يعدْ يُنخدعُ بهذه الشعاراتِ الجوفاء وادعاءاتِ “الحفاظِ على الدولةِ” التي يترددُ صداهَا مِنْ بورتسودان. الدولةُ السودانيةُ لا تُبنى بإنكارِ الآخرِ، ولا بفرضِ وصايةِ تنظيمٍ عقائديٍّ مُبادٍ، ولا بالاستمرارِ في حربٍ عبثيةٍ تُحرِقُ الأخضرَ واليابسَ.
ختاماً، إنّ التصريحاتِ الصادرةَ عن أمجد فريد الطيب تُعبّرُ بوضوحٍ عن حالةِ الإفلاسِ السياسيِّ والفكريِّ التي تُعاني منهَا سلطةُ الأمرِ الواقعِ في بورتسودان. إنَّهَا مجرّدُ زبدٍ رابٍ يذهبُ جُفاءً أمامَ تطلّعاتِ الشعبِ السودانيِّ المشروعةِ في التأسيسِ لِدولةٍ مدنيةٍ ديمقراطيةٍ حديثةٍ، تقومُ على الحريةِ، والسلامِ، والعدالةِ، والمواطنةِ بلا تمييزٍ. وإنَّ أيَّ حديثٍ يُحاولُ القفزَ على هذه الثوابتِ الوطنيةِ، أو يتجاهلُ التحولاتِ السياسية والاجتماعية الكبرى التي يُشكّلها “تحالفُ تأسيس”، هو مجرّدُ هراءٍ سياسيٍّ لا قيمةَ لهُ، وفرقعةٍ إعلاميّةٍ لا تُسمنُ ولا تُغني مِنْ جوعٍ في مسارِ النضالِ الوطنيِّ لإنقاذِ السودانِ مِنْ مقصلةِ التفكيكِ والدمارِ.




