
نجوى بابو
لا تُبنى الأوطان بالموارد وحدها، ولا تنهض بالمؤسسات فقط، وإنما تصنع نهضتها الأجيال الشابة التي تمتلك القدرة على العمل والإبداع والتغيير. لذلك فإن أي مشروع وطني جاد يسعى إلى بناء دولة مستقرة ومنتجة لا يمكنه أن يتجاهل الفئة العمرية بين (18–25) عامًا، باعتبارها القوة الأكثر حيوية وتأثيرًا في حاضر البلاد ومستقبلها.
وفي ظل التحديات التي يواجهها السودان، تبرز الحاجة إلى رؤية وطنية متكاملة تتبناها حكومة تأسيس، هدفها تحويل الشباب من دائرة الانتظار والترقب إلى دائرة المشاركة والإنتاج وصناعة التحول الوطني. فالشباب ليسوا مشكلة تبحث عن حل، بل فرصة استراتيجية تحتاج إلى استثمار صحيح وتوجيه واعٍ.
ويبدأ هذا الاستثمار عبر تعزيز ثقافة العمل التطوعي بوصفه إحدى أهم أدوات بناء المجتمع والإنسان معًا. فالآلاف من الشباب القادرين على العطاء يمكن أن يسهموا في مجالات التعليم والصحة والإصحاح البيئي والتوعية المجتمعية وخدمة الفئات الأكثر احتياجًا. كما أن العمل التطوعي يرسخ قيم الانتماء والمسؤولية ويؤسس لقيادات شابة أكثر ارتباطًا بقضايا مجتمعها.
إلى جانب ذلك، تظل برامج التدريب المهني والعملي ضرورة لا غنى عنها لإعداد جيل قادر على المنافسة والإنتاج. فالفجوة بين التعليم وسوق العمل لا يمكن ردمها إلا عبر مراكز وبرامج تدريبية حديثة تمنح الشباب المهارات والخبرات المطلوبة، مع توفير حوافز تشجعهم على الالتحاق بهذه البرامج والانخراط في مسارات الإنتاج الحقيقي.
كما تمثل الخدمة الوطنية إطارًا مهمًا لتوظيف الطاقات الشبابية في خدمة المجتمع والدولة. وعندما تُبنى هذه الخدمة على أسس تنموية ومجتمعية واضحة، فإنها تصبح وسيلة فعالة لترسيخ الانضباط وروح العمل الجماعي وتعزيز قيم المواطنة. ويمكن توجيه جهود الشباب من خلالها نحو دعم التعليم في المناطق الطرفية، والمساهمة في المشروعات الزراعية والإنتاجية، والمشاركة في المبادرات التي تعزز الاستقرار والتنمية المحلية.
إن الأمم التي نجحت في بناء مستقبلها لم تترك شبابها أسرى البطالة أو الفراغ أو الإحباط، بل فتحت أمامهم أبواب المشاركة والمسؤولية. وكل فرصة تدريب أو تطوع أو خدمة عامة تُمنح لشاب اليوم تمثل استثمارًا مباشرًا في أمن الوطن واستقراره وازدهاره غدًا.
إن حكومة تأسيس تمتلك فرصة حقيقية لإطلاق مشروع وطني يجعل الشباب شريكًا أساسيًا في عملية البناء وإعادة التأسيس. فاستثمار هذه الطاقات ليس مجرد برنامج حكومي عابر، بل خيار استراتيجي يحدد شكل الدولة القادمة وقدرتها على تحقيق التنمية المستدامة وترسيخ الاستقرار.
إن الطريق إلى وطن قوي يبدأ من تمكين شبابه، ومنحهم الفرصة ليكونوا جزءًا من الحل، وقوة دافعة للتغيير، وصناعًا لمستقبل أكثر إشراقًا وعدالة وازدهارًا.




