رأي

فضل الله برمة ناصر! عندما يتقدّم صوت الحكمة على ضجيج الحرب

فاطمة لقاوة

 

فاطمة لقاوة

في الأزمنة التي تتكاثر فيها البنادق ويخفت فيها صوت العقل، يصبح للكلمة الصادقة وزنٌ يوازي المواقف الكبرى، وفي لحظات الإنقسام التي تعصف بالسودان، يبرز رجالٌ لا تُقاس قيمتهم برتبهم العسكرية أو مواقعهم السياسية، بل بما يحملونه من حكمة وقدرة على جمع الناس حول مشروع وطن يتسع للجميع.،ومن بين هؤلاء، يبرز اللواء فضل الله برمة ناصر بوصفه أحد الأصوات التي تخاطب الضمير الوطني قبل أن تخاطب السياسة.

في مأدبة الغداء التي رتبها الأستاذ النزير يونس احمد مخير،و جمعت وفد أبناء المسيرية من غرب كردفان بمدينة نيالا، لم يكن حديث العم فضل الله برمة ناصر خطاباً سياسياً تقليدياً، ولم يكن إستعراضاً لتاريخ أو مكانة، وإنما كان دعوة صريحة لإعادة بناء السودان على أسس جديدة، تُنهي زمن الإقصاء وتفتح الباب أمام دولة المواطنة والعدالة.

إستهل اللواء حديثه بالإستشهاد بقول الله تعالى: ﴿{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}﴾، في رسالة حملت دلالات عميقة؛ فالقبيلة ليست مشكلة في ذاتها، وإنما تتحول إلى معول هدم عندما تُستغل لإشعال الفتن وإنتاج الكراهية، ما إذا كانت جسراً للتعارف والتكافل، فإنها تصبح إحدى ركائز الإستقرار الإجتماعي.

لقد جاءت كلماته في وقت يحتاج فيه السودان إلى من يطفئ الحرائق لا إلى من ينفخ فيها، وإلى من يجمع الشمل لا إلى من يراكم أسباب الإنقسام، لذلك لم يكن حديثه عن التماسك المجتمعي شعاراً عاطفياً، بل رؤية سياسية تدرك أن أي مشروع لبناء الدولة لن ينجح إذا بقي المجتمع ممزقاً بالصراعات القبلية والجهوية.

توقف اللواء فضل الله برمة ناصر عند المرحلة المفصلية التي تمر بها البلاد، معتبراً أن قيام حكومة السلام والوحدة يمثل إستجابة لظروف إستثنائية فرضتها الحرب وما خلفته من مآسٍ إنسانية، خصوصاً في كردفان ودارفور، حيث دفعت المجتمعات المحلية أثماناً باهظة من الدماء والنزوح والفقر وإنهيار الخدمات.

لم يخفِ الرجل أن الطريق نحو السلام ليس سهلاً، وأن بناء الدولة الجديدة يحتاج إلى صبر طويل وإرادة جماعية، لكنه أبدى إيماناً بأن السودان قادر على تجاوز هذه المحنة إذا التقت إرادة أبنائه على مشروع وطني جامع، يضع الإنسان السوداني فوق كل الإعتبارات الضيقة.

من أكثر المحطات تأثيراً في حديثه، تقديره الصريح للدور الذي لعبته المرأة الكردفانية خلال سنوات الحرب، فقد أكد أن النساء لم يكن مجرد ضحايا للصراع، بل كن شريكات في الصمود، وحاملات لأعباء المجتمع في أصعب الظروف، الأمر الذي يفرض منحهن دوراً حقيقياً في صناعة القرار وفي بناء مؤسسات الدولة القادمة،

كما دعا إلى تأسيس منظمات مجتمع مدني قوية تُعنى بالجرحى، وذوي الإعاقة، والأرامل، والأيتام، وأسر الضحايا، مؤكداً أن الوفاء للشهداء لا يكون بالخطب والشعارات، وإنما ببناء مجتمع يحفظ كرامة من دفعوا أثمان الحرب ومن بقي يحمل آثارها.

قيمة حديث اللواء فضل الله برمة ناصر لا تكمن فقط في مضامينه، بل في توقيته أيضاً، ففي لحظة يعلو فيها خطاب الكراهية، جاء ليؤكد أن السودان لن يُبنى بالسلاح وحده، بل بالحكمة، والتسامح، والعدالة، والشراكة بين جميع مكوناته.

لقد غادر الحاضرون ذلك اللقاء وهم يشعرون أن ما إستمعوا إليه لم يكن مجرد كلمات ألقيت في مناسبة إجتماعية، وإنما رسالة وطنية تحمل ملامح المستقبل؛ مستقبلٍ يقوم على السلام، ويؤمن بالتنوع، ويرفض الإقصاء، ويعيد الإعتبار لقيمة الإنسان السوداني.

السودان، وهو يمر بواحدة من أصعب مراحله التاريخية، يحتاج اليوم إلى مزيد من هذه الأصوات التي تزرع الأمل وسط الركام، وتؤمن بأن الأوطان لا تُبنى بالإنتقام، وإنما بالحكمة والشجاعة والإرادة الصادقة، وفي هذا السياق، يظل اللواء فضل الله برمة ناصر واحداً من الشخصيات التي إختارت أن تجعل من الحكمة مشروعاً سياسياً، ومن الحوار طريقاً نحو سودانٍ جديد، يسع الجميع دون تمييز أو إقصاء.

ولنا عودة بإذن الله

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!