تفكيك أسطورة المؤسسة العسكرية القومية: التأسيس لا الترميم.. معركة السودان القادمة
نجم الدين دريسة

نجم الدين دريسة
المؤسسة التي وُلدت لحماية السلطة لا يمكن أن تصبح حارسة للحرية إلا بإعادة تأسيسها من الجذور.
تتخفى النخب السياسية السودانية، منذ ما عرف بالاستقلال والى يومنا هذا، خلف ركام كثيف من المساحيق اللفظية والأوهام الأيديولوجية التي لم تفعل شيئًا سوى تزييف الوعي الجمعي وإطالة أمد المأساة الوطنية. إن التوصيفات الرنانة التي تُطلق على المنظومة العسكرية الحالية، من شاكلة “القوات المسلحة السودانية” و”قوات الشعب المسلحة” و”المؤسسة العسكرية العريقة”، ليست في حقيقتها سوى تجلٍّ صارخ لحالة من الإنكار المعرفي والاستهبال السياسي الذي يرفض مواجهة الحقيقة العارية. هذه الحقيقة الصادمة تشير بلا مواربة إلى أن هذا الجيش، بتركيبته وعقيدته وتاريخه، يمثل أكبر وأخطر ميليشيا مسلحة عرفتها القارة الأفريقية في تاريخها الحديث، وهي الكيان الذي شكل عبر العقود العقبة الكؤود أمام تطلعات الشعوب السودانية نحو الحرية والعدالة والنهوض المدني المستدام.
لقد قامت دولة ما بعد الاستعمار في السودان، والمعروفة تاريخيًا بدولة 1956، على بنيان مشوه تعمدت فيه النخبة الصفوية الحاكمة اختطاف أدوات العنف الشرعي وتجييرها لصالح امتيازاتها الضيقة. ومن هنا، لم يكن الجيش السوداني يوماً مؤسسة قومية متوافقاً عليها أو معبرة عن التنوع الثقافي والاجتماعي العريض للبلاد، بل تشكّل كأداة قمعية مركزية لحماية سلطة الأقلية وإخضاع الهوامش الجغرافية والاجتماعية. إن هذا التشوه البنيوي جعل من المؤسسة الرسمية نقيضاً حتمياً لمفهوم الدولة الحديثة التي تحتكر القوة لصالح القانون، لتتحول المؤسسة العسكرية إلى سلطة مطلقة فوق القانون وفوق الدستور وفوق إرادة الجماهير، مستخدمةً ترسانتها العسكرية لنهب موارد البلاد وتدمير نسيجها الاجتماعي.
تفاقمت هذه العلة البنيوية وبلغت ذروتها الكارثية مع انقلاب تنظيم الإخوان المسلمين والجبهة الإسلامية القومية في يونيو 1989، حيث خضع الجيش لعملية تجريف وتسييس غير مسبوقة في التاريخ العسكري لبلدان المنطقة. لقد تم تحويل الكلية الحربية السودانية، التي كان يُفترض فيها تفريخ قادة عسكريين يحملون عقيدة الدفاع عن الأرض والعرض، إلى مجرد مفرخة حزبية لإنتاج ضباط مؤدلجين يدينون بالولاء المطلق للتنظيم العقائدي والفرز الجهوي والعنصري. تم استبعاد الكفاءات المهنية وتصفية الضباط الوطنيين عبر مجازر الإحالة للصالح العام والإعدامات الصورية، لينشأ جيل عسكري مشبع بعقيدة الكراهية ضد مواطنيه، ويعتبر كل حراك مدني أو مطلبي بمثابة تمرد يجب سحقه بالبراميل المتفجرة والمدفعية الثقيلة.
إن هذا التاريخ الملطخ بالدماء والدموع يكشف زيف الأطروحات الساذجة التي تتباكى اليوم على هيبة الجيش القومي؛ إذ كيف يمكن وصف مؤسسة بالقومية وهي التي لم تخض في تاريخها المعاصر معركة واحدة خارج حدودها الجغرافية للدفاع عن السيادة الوطنية، بل وجهت كل طائراتها ودباباتها وجنودها نحو صدور السودانيين في جنوب السودان، وفي جبال النوبة، والنيل الأزرق، ودارفور، وصولاً إلى تدمير العاصمة الخرطوم وتحويلها إلى ساحة حرب عبثية. إن السجل الحافل بالانتهاكات الجسيمة، من إبادة جماعية، وتطهير عرقي، واغتصاب ممنهج للأعراض كأداة من أدوات الحرب، يضع هذه المؤسسة في مصاف الميليشيات الفاشية، ويفقدها أي مشروعية أخلاقية أو دستورية للبقاء كواجهة للدولة السودانية.
ولم يتوقف الأمر عند حدود العقيدة القمعية والولاء الحزبي، بل امتد ليتجلى في الارتهان الكامل والمهين للإرادة الوطنية لصالح المحاور الإقليمية، وعلى رأسها الدولة المصرية. إن قيادة الجيش الحالية لا تمثل بحال من الأحوال أشواق وتطلعات الشعوب السودانية، بل تحولت إلى واجهة مرتهنة تدار بالوكالة من الدوائر الأمنية الخارجية، والتي ترى في السودان مجرد عمق استراتيجي تابع أو حديقة خلفية تخضع لإملاءاتها الأمنية والاقتصادية. هذا الارتهان الإقليمي جرد الجيش من صفته الوطنية، وجعل من جنرالات اللجنة الأمنية مجرد أدوات لتنفيذ أجندات تهدف إلى إجهاض مسار التحول المدني الديمقراطي، وإبقاء السودان في حلقة مفرغة من الحروب والأزمات التي تضمن تبعيته الدائمة وتمنع نهوضه كدولة ذات سيادة حقيقية.
إلى جانب هذا التبعية السياسية والعسكرية، بنى الجيش اقتصاداً موازياً ضخماً خارج الموازنة العامة للدولة وبعيداً عن أي رقابة مدنية أو قضائية، مسيطراً على المنظومات الدفاعية، والشركات الاستثمارية، ومطاحن الغلال، ومصانع الذهب والاتصالات. هذا التغول الاقتصادي حوّل النادي العسكري إلى كارتيل تجاري يبحث عن تعظيم أرباح الجنرالات وشراء الولاءات السياسية والقبلية، متخلياً عن واجبه الأساسي في حماية المواطن، بل مستخدماً هذه الأموال المنهوبة من قوت الشعب لتغذية آلة الحرب وشراء المزيد من أدوات القتل والدمار. إن المنظومة الأمنية والعسكرية الحالية قد تحولت بفعل هذا الاقتصاد الطفيلي إلى عائق بنيوي أمام التنمية والاستقرار، حيث ترتبط مصالح قادتها باستمرار حالة الفوضى والسيولة الأمنية التي تتيح لهم مواصلة النهب دون حسيب أو رقيب.
أمام هذا المشهد القاتم، يبرز الاستهبال السياسي للنخب التقليدية التي ما زالت تطرح خيارات بائسة ومستهلكة من شاكلة “الإصلاح الشامل للقطاع الأمني والعسكري” عبر آليات الدمج والترقيع والتسويات المؤقتة. إن الحديث عن إصلاح جيش بهذه المواصفات الكارثية هو ضرب من الخيال العبثي ومحاولة لإعادة تدوير نظام القمع القديم بوجوه جديدة؛ إذ كيف يمكن إصلاح عقيدة أُسست بنيوياً على إبادة الشعوب، وكيف يمكن دمج ميليشيات طارئة في ميليشيا تاريخية كبرى لإنتاج جيش وطني؟ إن خيار الإصلاح والترقيع ليس إلا تأجيلاً للانفجار القادم، وتواطؤاً صريحاً مع القاتل يمنحه فرصة أخرى لشرعنة سلاحه واستمرار هيمنته على مقدرات البلاد.
إن المخرج الاستراتيجي الوحيد والغيور على مستقبل السودان وكرامة شعبه يتجاوز تماماً هذه المقاربات الترقيعية الفاشلة، ويتطلب الشجاعة السياسية والفكرية لطرح خيار “التأسيس الجذري الجديد” من نقطة الصفر. إن بناء الجيش السوداني الجديد لا يبدأ من مكاتب الجنرالات الملطخة أيديهم بالدماء، بل يبدأ من التفكيك الكامل والنهائي لكل المنظومات العسكرية القائمة حالياً، واعتبارها كيانات منتهية الصلاحية الوطنية والدستورية. إننا بحاجة إلى ثورة تأسيسية عسكرية تضع حداً نهائياً لعهد دولة 1956 وميليشياتها، وتقوم على صياغة عسكريتارية سودانية جديدة تعكس بحق التنوع الاجتماعي والجغرافي الفريد لكل أقاليم السودان، دون إقصاء أو تمييز أو هيمنة صفوية.
يجب أن تقوم عقيدة الجيش الجديد على مبدأ راسخ وحيد: حماية الدستور، والذود عن حياض الوطن، والخضوع الكامل والمساءلة المطلقة أمام السلطة المدنية الديمقراطية المنتخبة. إن العقيدة العسكرية التأسيسية الجديدة يجب أن تحظر حظراً قاطعاً وقانونياً أي نشاط سياسي أو تجاري لمنتسبي القوات المسلحة، وتجرم التدخل في الشأن العام أو إدارة الشركات الاستثمارية خارج رقابة وزارة المالية. كما يتطلب هذا التأسيس الجديد بناء منظومة تعليمية عسكرية حديثة تتبرأ من إرث الحركة الإسلامية الأيديولوجي، وترسخ في وجدان الجندي السوداني قيم المواطنة المتساوية، واحترام حقوق الإنسان، واعتبار المواطن هو الغاية الأسمى للدولة وليس العدو المفترض الذي يجب قمعة.
إن التمسك بالمصطلحات المضللة والدفاع المستميت عن شرعية متوهمة لجيش مختطف ومؤدلج هو مشاركة فعلية في الجريمة المستمرة ضد الشعب السوداني، ومحاولة بائسة للحفاظ على امتيازات تاريخية لنخبة أدمنت العيش على ريع الحروب الأهلية والاستبداد. إن السودان اليوم يقف على حافة الوجود، والخيارات التاريخية الشجاعة هي وحده التي ستنقذ ما تبقى من هذا الوطن من التفتت والانهيار الشامل. إن دماء الشهداء وعذابات النازحين واللاجئين في كل فج عميق تفرض علينا تدمير هذه الأصنام اللفظية والمفهومية، والمضي قدماً وبإرادة صلبة نحو كتابة السطر الأول في تاريخ السودان الجديد: سودان الجيش الواحد الخاضع للمدنيين، والمؤسسة الوطنية الحقيقية التي تحمي كرامة الإنسان وتصون هيبة الأرض والسيادة.




