تقارير وتحقيقات

الفاشر تكشف زيف الرواية الدولية.. من يصنع الأزمات ومن يروّج لها؟

التنوير تقرير ايمان التجاني 

 

تقارير متهاوية ومخاوف مصنوعة على مقاس سلطة بورتسودان

 

التنوير تقرير ايمان التجاني 

 

 

إنذار أم إعادة تدوير للدعاية؟

أثارت تصريحات رئيس بعثة منظمة الهجرة الدولية في السودان، محمد رفعت، بشأن مخاوف تحول مدينة الأبيض إلى “فاشر أخرى”، موجة واسعة من التساؤلات حول الأسس التي تبني عليها بعض المنظمات الدولية تقاريرها ومواقفها السياسية والإنسانية تجاه السودان.

فبينما تتحدث المنظمة عن مخاطر محتملة وتستند إلى نماذج سابقة، يرى مراقبون أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في التحذير بحد ذاته، وإنما في طبيعة المصادر التي تعتمد عليها بعض المؤسسات الدولية، والتي باتت محل تشكيك واسع بسبب ارتباطها بروايات أحادية ومعلومات ثبت لاحقاً افتقارها إلى الدقة والموضوعية.

وتتزايد الانتقادات الموجهة إلى عدد من المنظمات الدولية التي تبنت خلال الأشهر الماضية سرديات سياسية وإعلامية روجت لها سلطة بورتسودان وأذرعها الإعلامية، دون إخضاعها للفحص والتحقق المستقل.

الفاشر.. المدينة التي استُخدمت كمنصة للدعاية

منذ اندلاع المعارك في الفاشر، تحولت المدينة إلى محور رئيسي لحملات إعلامية ضخمة صورت الأحداث باعتبارها “كارثة غير مسبوقة” و”إبادة جماعية وشيكة”، بينما جرى تجاهل كثير من المعطيات الميدانية المرتبطة بطبيعة الصراع وتداخل العسكري بالمدني.

وقد أظهرت تطورات لاحقة أن جانباً مهماً من الروايات التي جرى تداولها عالمياً لم يكن متسقاً مع الوقائع التي تكشفت على الأرض، الأمر الذي أضعف مستوى الثقة في عدد من التقارير التي اعتمدت عليها مؤسسات دولية وإعلامية.

المقاتلون قُدِّموا باعتبارهم مدنيين

واحدة من أبرز الإشكالات التي أثيرت حول ملف الفاشر تمثلت في الخلط المتعمد أو غير المتعمد بين المدنيين والمقاتلين.

فقد أظهرت معطيات ميدانية متداولة أن عدداً من الأشخاص الذين جرى تقديمهم للرأي العام العالمي باعتبارهم ضحايا مدنيين كانوا في الواقع من المستنفرين أو المنخرطين ضمن التشكيلات العسكرية المتحالفة مع الجيش والقوات المشتركة.

ويرى منتقدون أن تجاهل هذه الحقيقة أسهم في إنتاج صورة مضللة للنزاع، وأدى إلى تضخيم روايات لا تستند إلى التمييز الضروري بين المدني والمقاتل وفقاً للقانون الدولي الإنساني.

حين تتحول الأعيان المدنية إلى أهداف عسكرية

من المسائل التي جرى تجاهلها أيضاً في كثير من التقارير الدولية استخدام منشآت مدنية ومرافق خدمية في أنشطة عسكرية.

فالقانون الدولي الإنساني يضع قواعد واضحة تمنع استخدام الأعيان المدنية لأغراض عسكرية، غير أن الوقائع التي شهدتها الفاشر أظهرت وجود اتهامات متكررة باستخدام مرافق مدنية ومناطق مأهولة كمواقع عمليات أو مراكز انتشار عسكري.

ويرى مراقبون أن أي تقييم موضوعي للأوضاع يجب أن يأخذ هذه الحقائق بعين الاعتبار بدلاً من تقديم صورة مبسطة تختزل المشهد في طرف واحد.

معسكر زمزم.. الحقيقة التي تجاهلتها التقارير

ظل معسكر زمزم للنازحين واحداً من أكثر الملفات إثارة للجدل خلال الحرب.

وبحسب روايات متداولة على نطاق واسع داخل الإقليم، فإن المعسكر لم يعد مجرد مركز لإيواء النازحين، بل شهد وجوداً لأنشطة عسكرية مرتبطة بالقوات المشتركة، الأمر الذي غيّر من طبيعته المدنية الخالصة.

ورغم أهمية هذه المعطيات في فهم طبيعة الصراع، فإن كثيراً من التقارير الدولية تجاهلت تناولها بصورة متوازنة، ما أسهم في تكوين صورة ناقصة للأحداث.

سمية النور دهب: المجتمع الدولي يردد روايات مضللة

وفي تعليقها على تصريحات منظمة الهجرة الدولية، قالت الأستاذة سمية النور دهب إن ما يجري يمثل استمراراً لحالة من الانحياز الواضح داخل بعض المؤسسات الدولية.

وأكدت أن الحديث المتكرر عن الفاشر يجري في إطار من التهويل السياسي والإعلامي، مشيرة إلى أن عدداً من التقارير التي استندت إليها منظمات دولية اتسمت بالتلفيق والتزييف وافتقرت إلى المعايير المهنية المطلوبة.

وأضافت أن المجتمع الدولي بات يردد معلومات فقدت الكثير من مصداقيتها بعد انكشاف حجم التناقضات بين ما ورد فيها وبين الوقائع التي تكشفت لاحقاً على الأرض.

من أشعل الحرب يتحمل نتائجها

وترى سمية النور دهب أن جوهر الأزمة يتمثل في تجاهل الأسباب الحقيقية للحرب والتركيز على نتائجها فقط.

وقالت إن الجيش الذي تصفه بأنه واقع تحت نفوذ الحركة الإسلامية هو الطرف الذي قاد البلاد إلى هذا المسار الكارثي، وإن أي معالجة جادة للأزمة يجب أن تبدأ بوقف الحرب وإنهاء أسبابها بدلاً من إنتاج تقارير تتناول الأعراض وتتجاهل أصل المرض.

وأضافت أن حماية المدنيين لا تتحقق عبر ترديد روايات سياسية، وإنما عبر الضغط الحقيقي لإنهاء الحرب وفتح الطريق أمام تسوية شاملة.

الفاشر تتعافى رغم حملات التشويه

وعلى خلاف الصورة التي تروجها بعض المنصات، تشير إفادات ميدانية متداولة إلى أن مدينة الفاشر بدأت بالفعل في تجاوز كثير من آثار الحرب.

فخلال الأشهر الأخيرة شهدت المدينة جهوداً لإزالة مخلفات المعارك وإعادة تشغيل عدد من الخدمات الأساسية، إلى جانب تحسن نسبي في حركة الأسواق وعودة أنشطة خدمية متعددة.

كما بدأت برامج لإعادة تأهيل شبكات المياه والخدمات الصحية والتعليمية في عدد من الأحياء، بالتزامن مع وصول مساعدات إنسانية إلى مناطق واسعة داخل المدينة.

عودة المواطنين تربك حسابات سلطة بورتسودان

ويرى مراقبون أن التحسن النسبي الذي تشهده الفاشر يتعارض مع السردية التي ظلت سلطة بورتسودان تروج لها خلال الفترة الماضية.

وتشير تقديرات محلية إلى أن عودة المواطنين إلى مناطقهم تمثل تحدياً للرواية القائمة على تصوير المدينة باعتبارها منطقة منكوبة بالكامل وغير قابلة للحياة.

وفي هذا السياق تتهم أطراف سياسية سلطة بورتسودان باستخدام نفوذها السياسي والإعلامي لعرقلة عمليات العودة الطوعية وإبقاء صورة الأزمة حاضرة في المشهد الدولي.

الأبيض ليست الفاشر.. والوقائع أقوى من التوقعات

ويرى متابعون أن المقارنة بين الأبيض والفاشر تفتقر إلى كثير من الدقة بسبب الاختلافات الكبيرة في الظروف الميدانية والسياسية والإنسانية بين المدينتين.

كما أن إطلاق أحكام مسبقة حول مستقبل مدينة بأكملها استناداً إلى سيناريوهات افتراضية قد يسهم في صناعة الذعر أكثر مما يساعد على إيجاد حلول حقيقية.

ويؤكد هؤلاء أن المطلوب من المؤسسات الدولية هو الالتزام بالحياد المهني، والتحقق من المعلومات من مصادر متعددة، وعدم الانجرار وراء حملات الدعاية السياسية التي تستهدف توجيه الرأي العام الدولي.

معركة المصداقية الدولية

في نهاية المطاف، لم تعد الأزمة مقتصرة على الحرب نفسها، بل امتدت إلى معركة أخرى لا تقل أهمية: معركة المصداقية.

فكل تقرير يثبت ضعف دقته، وكل رواية يتبين لاحقاً أنها افتقرت إلى التوازن، يضيف مزيداً من الشكوك حول أداء المنظمات الدولية في السودان.

ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام المجتمع الدولي اليوم لا يتمثل في إصدار المزيد من التحذيرات، وإنما في استعادة الثقة عبر تقارير مهنية مستقلة تستند إلى الوقائع الميدانية لا إلى الدعاية السياسية.

فالسودانيون، أكثر من أي وقت مضى، باتوا يطالبون بحقائق موثقة لا بروايات جاهزة، وبمواقف قائمة على العدالة والموضوعية لا على الانحياز والانتقائية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!