اخبار

دراسة واسعة: أغلبية السودانيين تؤيد التسوية السياسية وترفض استمرار الحرب والإفلات من العقاب

التنوير  متابعات

 

التنوير  متابعات

كشفت دراسة ميدانية واسعة النطاق شملت السودانيين داخل البلاد وخارجها عن وجود رغبة شعبية كاسحة لإنهاء الحرب عبر تسوية سياسية تفاوضية، مع تمسك قوي بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات ورفض الإفلات من العقاب، في مؤشر لافت على تنامي التوجهات الداعمة للسلام العادل والشامل بعد أكثر من ثلاث سنوات من الصراع.

وأظهرت النتائج الأولية للدراسة التي أعدتها مجموعة المناصرة من أجل السلام في السودان (نداء سلام السودان)، واستندت إلى 1667 استبياناً شملت جميع ولايات السودان الثماني عشرة إلى جانب لاجئين سودانيين في عدد من دول الجوار والخليج، أن غالبية السودانيين باتوا ينظرون إلى الحل السياسي باعتباره الطريق الأكثر واقعية لإنهاء الأزمة الوطنية.

وخلال عرض النتائج بالعاصمة الأوغندية كمبالا، أوضح عضو المكتب التنسيقي للمبادرة الدكتور عصام عباس أن الدراسة اعتمدت على منهجية علمية دقيقة استخدمت العينة الطبقية العشوائية وأدوات تحليل بيانات متقدمة، بما عزز من موثوقية النتائج ووسع نطاق تمثيلها لمختلف الشرائح السودانية.

تأييد واسع لوقف الحرب

وأظهرت الدراسة أن 74.3 بالمئة من المشاركين يؤيدون وقفاً فورياً لإطلاق النار، بينما أكد 88.3 بالمئة من المؤيدين للتسوية استعدادهم لدعم أي عملية سياسية جادة تقود إلى إنهاء النزاع، فيما سجلت ولاية وسط دارفور أعلى نسبة تأييد للسلام بلغت 94.7 بالمئة.

ويرى مراقبون أن هذه الأرقام تعكس حالة إرهاق مجتمعي متزايدة من استمرار الحرب، وتؤكد أن المزاج العام للسودانيين بات يميل بصورة واضحة نحو الحلول السياسية بدلاً من الرهان على الحسم العسكري.

تحميل الأطراف المتحاربة مسؤولية الأزمة

وبحسب نتائج الدراسة، جاء التنافس على السلطة والثروة في مقدمة الأسباب التي يراها المشاركون وراء اندلاع الحرب، تلاه إرث النظام السابق، ثم التهميش والتدخلات الخارجية.

كما حمّل 80.9 بالمئة من المشاركين المؤسسة العسكرية بشقيها مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، فيما حمّل 79.2 بالمئة النظام السابق مسؤولية استمرار الأزمة، بينما أشار 73.7 بالمئة إلى مسؤولية الحركات المسلحة عن تعقيد المشهد السوداني.

وتعكس هذه النتائج، وفق متابعين، اتجاهاً شعبياً متنامياً نحو تحميل مختلف الأطراف السياسية والعسكرية مسؤولية الانهيار الذي شهدته البلاد، بعيداً عن الروايات الأحادية التي تحاول إعفاء بعض الجهات من المساءلة.

تراجع الثقة في اتفاقيات السلام

وأبرزت الدراسة مؤشراً مهماً يتمثل في تراجع الثقة الشعبية في اتفاقيات السلام السابقة، حيث لم تتجاوز نسبة من أعربوا عن ثقة عالية في تلك الاتفاقيات 14.4 بالمئة، مقابل 28.9 بالمئة أكدوا عدم ثقتهم بها.

وأوضح المشاركون في الدراسة أن إخفاق العديد من الاتفاقات السابقة في معالجة جذور الأزمة وتحقيق الاستقرار الدائم أسهم في خلق حالة من الشك تجاه أي تسويات لا تستند إلى ضمانات حقيقية وآليات تنفيذ واضحة.

العدالة أولوية لا يمكن تجاوزها

وكشفت النتائج عن إجماع واسع على ضرورة المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب، حيث طالب 90 بالمئة من المشاركين بمساءلة مرتكبي الانتهاكات والجرائم المرتبطة بالحرب.

وأيد 38.8 بالمئة نموذج العدالة الهجينة الذي يجمع بين الآليات الوطنية والدولية، بما يضمن استقلالية الإجراءات وتحقيق العدالة للضحايا، في وقت اعتبر فيه كثير من المشاركين أن أي عملية سلام لا تتضمن مساراً واضحاً للعدالة ستكون مهددة بالفشل.

خطوط حمراء أمام أي تسوية مستقبلية

وأظهرت الدراسة وجود توافق واسع حول عدد من الثوابت الوطنية التي اعتبرها المشاركون خطوطاً حمراء لا ينبغي تجاوزها في أي اتفاق سياسي قادم، وفي مقدمتها رفض تقسيم السودان، ورفض تعدد الجيوش، ورفض استمرار تدخل المؤسسة العسكرية في العمل السياسي.

ويرى مراقبون أن هذه النتائج تعكس تطلعاً متزايداً لبناء دولة مدنية مستقرة تقوم على المؤسسات والقانون، بعيداً عن الصراعات المسلحة ومراكز النفوذ العسكرية المتنافسة.

وسائل التواصل تتصدر المشهد

وفي جانب آخر، أفاد 77.9 بالمئة من المشاركين بأن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت المصدر الرئيسي للمعلومات والأخبار بالنسبة لهم، بينما رأى 93.4 بالمئة أن الخطاب القبلي والجهوي يمثل تهديداً مباشراً للوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي.

وتشير هذه الأرقام إلى الدور المتنامي للفضاء الرقمي في تشكيل الرأي العام السوداني، بالتوازي مع تزايد المخاوف من خطاب الكراهية والاستقطاب المجتمعي.

معالجة الجذور مفتاح السلام المستدام

وأكدت الدراسة أن بناء الثقة في أي عملية سلام مستقبلية يتطلب أولاً معالجة الأسباب الجذرية للنزاع، يلي ذلك وضع ترتيبات أمنية واضحة، وإطلاق عملية سياسية شاملة، وتوفير آليات للمحاسبة والتعويضات، وضمان عدم تدخل المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية.

ويرى متابعون أن نتائج الدراسة تقدم واحدة من أكثر الصور شمولاً للمزاج العام السوداني منذ اندلاع الحرب، وتبعث برسالة واضحة إلى القوى السياسية والعسكرية والمجتمع الدولي مفادها أن غالبية السودانيين باتوا يريدون نهاية للحرب، وسلاماً قائماً على العدالة والمحاسبة والإصلاح الحقيقي، لا مجرد اتفاقات مؤقتة تعيد إنتاج الأزمة في شكل جديد.

المصدر دارفور 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!