
التنوير بورتسودان
أكدت معطيات متقاطعة أن سلطة بورتسودان تمضي بخطى متسارعة نحو تشكيل مجلس تشريعي انتقالي، في خطوة اعتبرها مراقبون تأكيدًا جديدًا على إصرار القيادة العسكرية، والجيش المختطف سياسيًا، على إدارة البلاد بعقلية الحرب، ورفضها العملي لكل المبادرات الإقليمية والدولية الرامية إلى وقف النزاع، بما في ذلك مبادرة «الرباعية».
وتأتي هذه التحركات في سياق سياسي وأمني شديد التعقيد، يتسم باستمرار الحرب واتساع رقعتها الإنسانية، وسط غياب أي أفق جاد للحل، ما يجعل الحديث عن “إنهاء فراغ دستوري” أقرب إلى إعادة إنتاج فراغ سياسي وأخلاقي، تُدار فيه السلطة من أعلى دون تفويض شعبي أو توافق وطني.
وبحسب مراقبين، فإن الاتجاه نحو تكوين مجلس تشريعي بقرار من الجيش المختطف لا يعكس رغبة في تأسيس مسار مدني، بقدر ما يمثل محاولة لإكساب سلطة الأمر الواقع غطاءً شكليًا، وتوفير واجهة سياسية تُستخدم لمواجهة الضغوط الدولية، وسحب البساط من المبادرات الخارجية التي تشترط وقف الحرب كمدخل لأي عملية سياسية.
ويشير متابعون إلى أن المشاورات الجارية تقتصر على قوى سياسية متحالفة مع الجيش أو غير معارضة له، مع إعادة تدوير أحزاب تقليدية وحركات مسلحة شاركت في السلطة من قبل، إلى جانب تكنوقراط يتم اختيارهم بعناية لضمان عدم المساس بجوهر السلطة القائمة. ويؤكد هؤلاء أن تغييب القوى المدنية الرافضة للحرب، ولجان المقاومة، والقطاعات الاجتماعية المتضررة، يفضح الطبيعة الإقصائية لهذه الخطوة.
ويرى محللون أن تسريع تكوين المجلس التشريعي يخدم أجندة واضحة، تتمثل في تمرير ميزانيات وقوانين تخدم المجهود الحربي، وإضفاء شرعية داخلية على اتفاقيات وتفاهمات خارجية مع دول داعمة للجيش، بعيدًا عن أي رقابة شعبية أو برلمان منتخب. كما يُنظر إلى هذه الخطوة بوصفها إعلانًا غير مباشر لدفن مسار التسوية الشاملة، واستبداله بواقع سياسي تُديره فوهة البندقية.
وفي هذا السياق، يذهب كثيرون إلى أن ما يجري لا يمكن فصله عن النفوذ المتصاعد للتيار الإسلامي داخل مؤسسات السلطة في بورتسودان، معتبرين أن تشكيل مجلس تشريعي بهذه الطريقة يعكس محاولة الإسلاميين إعادة التمكين عبر بوابة الحرب، واستخدام الجيش المختطف كأداة سياسية وعسكرية لتنفيذ هذا المشروع. ويؤكد هؤلاء أن إطالة أمد الحرب، ورفض المبادرات، وصناعة مؤسسات صورية، كلها مؤشرات على أن قرار السلم والحرب لم يعد وطنيًا، بل رهينًا لأجندة أيديولوجية ضيقة.
ويحذر مراقبون من أن المضي في هذا المسار سيعمّق عزلة السلطة، ويطيل معاناة السودانيين، ويغلق ما تبقى من نوافذ الحل، مشددين على أن أي تشريع يولد في ظل الحرب، ومن دون سلام وشرعية شعبية، لن يكون سوى أداة إضافية لإدامة الأزمة، لا مخرجًا منها.




