
د. إخلاص قرنق
ان الوثيقة المسربة التي تداولتها بعض وسائل الإعلام، والتي نجزم بصحتها فإنها لا تمثل مجرد مشروع سياسي جديد، وإنما اعتراف ضمني بأن الحرب لم تكن من أجل السودان، بل كانت من أجل إعادة إنتاج السلطة العسكرية الكيزانيةبثوب مختلف، وإضفاء شرعية جديدة على واقع فرضته فوهات البنادق.
إن أخطر ما في المشروع ليس الحديث عن حكومة عسكرية انتقالية لخمس سنوات، وإنما الفلسفة التي يقوم عليها: أن يظل العسكر هم أصحاب القرار، وأن يكون المدنيون مجرد واجهة إدارية، بينما تستمر الدولة رهينة للمؤسسة العسكرية.
لقد ظل السودانيون، منذ الاستقلال، يدفعون ثمن الانقلابات العسكرية. فكل انقلاب كان يبدأ بشعار إنقاذ الوطن، وينتهي بتمزيقه، وكل قائد عسكري كان يعد ببناء الدولة، فإذا بالدولة تتآكل وتنهار تحت وطأة الاستبداد والحروب والفساد.
واليوم، هذه التسريبات صحيحة بما لا يدعو مجال للشك او تكذيبها وذلك لمعرفتنا بعقلية البرهان الإخوانية و تشبس الاخوان بالسلطة واستعمال العسكر سلم الي ذلك والتي تكشف عن محاولة جديدة لدفن كل المبادرات الوطنية والإقليمية والدولية التي سعت إلى إنهاء الحرب، واستبدالها بمشروع يكرس سلطة الأمر الواقع ويمنحها غطاءً سياسياً ودستورياً.
لكن المأساة لا تقف عند هذا الحد.
فالخيانة الحقيقية ليست مجرد التمسك بالسلطة، وإنما التفريط في سيادة الوطن، وتحويل السودان إلى ساحة تتقاسمها المصالح الإقليمية والدولية، بينما يُترك المواطن السوداني يواجه الجوع والنزوح والقتل وانهيار الخدمات.
وفي المقابل، لم يكن الطرف الآخر أفضل حالاً. فقد علّق آلاف السودانيين آمالاً على مشروع سياسي جديد، لكن تلك الآمال تراجعت عندما بدا لكثيرين أن المشروع انحرف عن شعاراته الأولى، وأن دوائر اتخاذ القرار أصبحت أكثر ضيقاً، مع تصاعد الانتقادات بشأن التهميش وضعف المشاركة السياسية الواسعة. وهكذا وجد السوداني نفسه عالقاً بين مشروع مسلحين، او اخوانيين متأسلمين بينما غاب المشروع الوطني الجامع.
إن السودان لا يحتاج إلى جنرالات جدد ولا الي مشروع حضاري اخواني ولا إلى تسوية تمنح هذا أو ذاك شرعية مؤقتة. السودان يحتاج إلى دولة يحكمها الدستور، لا البندقية، وإلى مؤسسات وطنية تخضع للمساءلة، لا إلى سلطات فوق القانون.
لقد أثبت التاريخ أن العسكر والإخوان المتأسلمين يجيدون إدارة المعارك، لكنهم فشلوا في إدارة الدول. وكلما تمدد نفوذهم في السياسة، تراجعت الديمقراطية، وانهار الاقتصاد، واتسعت رقعة الحروب.
إن معركة السودانيين اليوم ليست مع شخص، وإنما مع فكرة كاملة؛ فكرة أن الوطن يمكن أن يبقى أسيراً للإخوان او لمن يحمل السلاح، وأن الشعب لا يستحق أن يختار من يحكمه بحرية.
لهذا، فإن مشروع ترس السودان يطرح رؤية مختلفة، تنطلق من مبدأ بسيط وواضح: لا مستقبل للسودان إلا بدولة مدنية ديمقراطية، يكون فيها الجيش مؤسسة قومية مهنية، بعيدة عن الحكم والسياسة والاقتصاد، وتكون السلطة للشعب وحده عبر انتخابات حرة ودستور دائم لذلك تحول من ترس الشمال وإغلاق المعابر مع جارة السؤ مصر التي تنهب ثروات السودان الي ترس السودان وحشد جميع أبنائه من شرق السودان الي غربه ومن شماله الي جنوبه .
لقد تعب السودانيون من المشاريع التي تبدأ بالرصاص وتنتهي بالخراب. وتعبوا من الوعود التي يطلقها الجنرالات باسم الوطنية، بينما يزداد الوطن انقساماً وفقراً ونزيفاً.
سيذكر التاريخ أن هذه المرحلة كانت لحظة اختبار حقيقية: إما أن ينتصر السودان بوصفه وطناً لجميع أبنائه، وإما أن تستمر دوامة المشاريع العسكرية التي لا تورث إلا مزيداً من الدماء والدموع.
ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين جنرال وآخر، ولا بين جيش ومليشيا، وإنما بين مشروع الدولة المدنية ومشروع الحكم بالسلاح.
وعندما ينتصر صوت الشعب على صوت البنادق، عندها فقط يبدأ السودان رحلة الخروج من أطول ليل عرفه تاريخه الحديث




