رأي

تَحْتَ السَّوَاهِي دَوَاهِي: مَا الَّذِي يُطْبَخُ فِي غُرَفِ كَوَالِيسِ العَسْكَرِ وَ”الكِيزَانِ”؟

آدَم الحَاج أَدِيب

 

​ آدَم الحَاج أَدِيب

​العنوان ليس مجرد مثل شعبي عابر، بل هو التوصيف الأدق للمشهد السياسي والعسكري الحالي في السودان. فبينما تبدو السطوح هادئة أو منشغلة ببيانات الشجب والإدانة والاشتباكات اليومية، تدور تحت هذه السطوح “دواهي” ومسرحيات متكررة يُخرجها جنرالات جيش الحركة الكيزانية (النظام السابق) ببراعة، في محاولة لإعادة إنتاج أنفسهم والبحث عن مخرج آمن على حساب طموحات الشعب السوداني.

​فصول المسرحية: من المنامة إلى القاهرة

​المتأمل في تحركات قادة الجيش يجد خيطاً ناظماً يربط بين عواصم إقليمية مختلفة، حيث تتشابه فصول المسرحية وإن تغيرت المسارح والوجوه:

​لقاء المنامة السري: لم يكن أول فصول الخفاء، حين جلس جنرالات من الجيش مع قادة من الدعم السريع برعاية إقليمية ودولية في البحرين، وخرجت الأخبار لتكشف خطوطاً تفاوضية كانت تُنكرها الغرف الإعلامية الرسمية للجيش جهاراً نهاراً.

​مشهد القاهرة (الكباشي ومسعد بولس): الفصل الأكثر إثارة للجدل؛ لقاء نائب القائد العام للجيش شمس الدين الكباشي بالشخصية السياسية اللبنانية المقربة من دوائر دولية وإقليمية مسعد بولس في القاهرة، مما يثير تساؤلات حاسمة حول طبيعة “الوساطة” أو الصفقة التي يتم الترتيب لها بعيداً عن الأجندة الوطنية المعلنة.

​مسرحية “الإلهاء السياسي”: سيناريو البرهان والكباشي

​امتداداً لسياسة التعمية وتوزيع الأدوار، تبرز في الآونة الأخيرة نغمة إعلامية ومخابراتية جديدة تُنسج حولها القصص؛ وهي تصوير المشهد وكأن هناك تقاطعات صراعية وتهميشاً داخل أروقة الملاك العسكري، وتحديداً الترويج لـ فرضية “عدم علم البرهان بتحركات الكباشي”.

​هذا السيناريو ليس سوى إلهاء سياسي مقصود، الغرض منه توزيع الأدوار بدقة: يظهر البرهان في ثوب المتشدد الرافض للمساومة لإرضاء القواعد المتطرفة للحركة الكيزانية، بينما يلعب الكباشي دور “رجل الخطوط الخلفية” والدبلوماسية السرية لفتح قنوات مع المجتمع الدولي والإقليمي. إن إيهام الشارع بوجود صراع أجنحة يهدف إلى صرف الأنظار عن الهدف المشترك والدائم لهؤلاء الجنرالات، وهو الحفاظ على كراسيهم والهروب من المحاسبة.

​واجهات الفساد وتدمير الاقتصاد: طلاسم “العسجد” وأخواتها

​لم تقتصر دواهي الكواليس على المسرح السياسي والعسكري الفج، بل امتدت لتضرب عصب حياة المواطن السوداني عبر تخريب منظم للاقتصاد الوطني في العاصمة الإدارية المؤقتة بورتسودان.

​لقد ظهرت مؤخراً كيانات وشركات غامضة شغلت الدوائر الرسمية والشعبية حول قانونية وجودها والجهات التي تقف خلفها، وعلى رأسها “شركة العسجد” التي أصبحت حديث المجالس ببورتسودان. إنها ليست مجرد شركة تجارية، بل هي حلقة في سلسلة “خيوط العنكبوت” المخابراتية والمالية التي نُسجت طلاسمها بعناية لإخفاء الآثار الملوثة للفاسدين الفاعلين من قيادات النظام البائد والمنتفعين من الحرب.

​هذه الشركة وغيرها كثر، يعملون كواجهات لغسيل الأموال، واحتكار السلع الأساسية، وتهريب المقدرات، مستغلين غياب الرقابة وضبابية المشهد، ليثبتوا بالدليل القاطع أن الحرب في نظرهم ليست سوى استثمار استراتيجي لتسمين حساباتهم البنكية وتجويع الشعب ومُمرِّغين أنف الاقتصاد السوداني في التراب. وكما يقول المثل المصري المعبر عن هذه الحالة: “ياما تحت السواهي دواهي”.

​الآلة الإعلامية وشبكة الاشتراك الجنائي الإقليمي

​هذه التحركات والشركات المشبوهة لا تبرز في فراغ، بل تصاحبها تهيئة هندسية من الإعلام الإقليمي وغرفه الاستخباراتية عبر تسريبات مقصودة تليها تحليلات تبشر بـ “انفراجة قريبة”، ثم يعقبها صمت مريب أو نفي خجول من بورتسودان لجس نبض الشارع.

​لكن الحقيقة العارية التي تتكشف خلف هذه المسرحيات هي وجود اشتراك جنائي عابر للحدود، خططت له ورعته دول إقليمية معروفة ومكشوفة الأجندة (مثل مصر، السعودية، تركيا، وقطر). هذه المحاور، على الرغم من تقاطعاتها في ملفات أخرى، تلتقي في السودان على هدف استراتيجي موحد يقوده الخوف الوجودي الذي تتقاسمه النظم الشمولية والديكتاتورية في المنطقة، ويتلخص هذا المخطط في الآتي:

​وأد الثورة ومحو النموذج المُلهم: تدرك تلك النظم الديكتاتورية أن نجاح نموذج ديمقراطي ومدني مستدام في السودان، يقوده الوعي الشعبي وشعاراته (حرية، سلام، وعدالة)، يمثل تهديداً مباشراً لشرعيتها واستمرارها. لذا كان لا بد من تدمير هذه الثورة وتنفيذ القتل الممنهج للثوار حتى لا يصبح الشعب السوداني ملجأً ومُلهماً للشعوب المقهورة في تلك البلدان لتثور على حكامها، وإرسال رسالة مفادها أن التغيير لا يجلب سوى الخراب.

​النهب المنظم للثروات: تهدف هذه القوى إلى تحويل السودان إلى ساحة مستباحة لنهب الموارد من ذهب، وموانئ، وأراضٍ زراعية شاسعة، عبر وكلائها من العسكر والكيزان الذين يسهلون هذه الصفقات والشركات الفاسدة مقابل البقاء في السلطة.

​إعادة التموضع والهروب من المحاسبة: محاولة فك العزلة الدولية المفروضة عليهم عبر تقديم تنازلات لهذه القوى الإقليمية مقابل الاعتراف بحكومتهم القائمة في بورتسودان كأمر واقع، والعودة إلى مربع “الشراكة الهشة” تحت لافتة “الوفاق الوطني”.

​ إن الرفض المعلن للتفاوض في المنابر المفتوحة مقابل الهرولة نحو اللقاءات السرية في المنامة والقاهرة، بالتزامن مع فتح الباب لشركات الفساد والنهب مثل “العسجد”، يثبت أن جنرالات الحركة الكيزانية لا يرفضون المبدأ، بل يبحثون عن “المنبر الديدبان” الذي يضمن شروطهم الخاصة، ويمحو إرث ديسمبر المجيد محولاً السودان إلى دولة تابعة ومنهوبة الإرادة للنظم الشمولية

​الأيام القادمة حبلى بالمفاجآت، وهي وحدها الكفيلة بالإجابة بشكل قاطع على سؤال: ما الذي يطبخ وراء هذه المسرحيات والشركات المشبوهة؟ لكن الأكيد أن وعي الشعب السوداني الذي خبر هذه المناورات لثلاثة عقود، سيكون هو الصخرة التي تتحطم عليها هذه الطبخات والمؤامرات؛ فما عاد ينطلي عليه مشهد التشدد في العلن، بينما تُباع المواقف ودماء الشهداء وقوت الشعب في غرف الاستخبارات والصفقات المغلقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!