الهيمنة المصرية على القرار العسكري السوداني: عندما تصبح السيادة رهينة المصالح
بروفيسور/سيف الدين عبد الرحمن

بروفيسور/سيف الدين عبد الرحمن
أعادت التصريحات الأخيرة للباحثة المصرية أماني الطويل، و ما أثارته من جدل واسع في الأوساط السودانية، طرح سؤال ظل حاضرًا في الحياة السياسية السودانية منذ الاستقلال؛ إلى أي مدى يمتلك السودان قرارًا عسكريًا و سياسيًا مستقلًا عن التأثيرات الإقليمية، و على رأسها التأثير المصري؟ فالقضية لم تعد مجرد تصريحات إعلامية، بل أصبحت تعكس شعورًا متزايدًا لدى قطاعات من السودانيين بأن القاهرة تنظر إلى المؤسسة العسكرية السودانية باعتبارها امتدادًا لترتيبات أمنها القومي، و أن استقرار القيادة العسكرية في الخرطوم يمثل مصلحة استراتيجية مصرية تتجاوز حدود العلاقات الطبيعية بين دولتين جارتين.
فعندما يُقال إن لقاءً بين قادة الجيش السوداني لا يمكن أن يتم دون علم القيادة العليا، ثم يُستكمل الحديث بأن “القاهرة لن تسمح ” بأي مسار يخرج عن المنظومة القائمة، فإن الرسالة التي تصل إلى الرأي العام السوداني هي أن القرار العسكري لا يُنظر إليه باعتباره شأنًا سودانيًا خالصًا، و إنما جزءًا من معادلة إقليمية ترى مصر نفسها أحد أطرافها الرئيسيين.
و ليس هذا الانطباع وليد اللحظة. فمنذ عقود احتفظت القاهرة بعلاقات استثنائية مع قيادة الجيش السوداني، من خلال التدريب العسكري المشترك، و التنسيق الأمني و الاستخباري، و الزيارات المتبادلة، و هو تعاون مشروع بين دولتين. غير أن منتقدي السياسة المصرية يرون أن هذه العلاقة تحولت في كثير من الأحيان إلى نفوذ سياسي غير مباشر داخل المؤسسة العسكرية، خاصة عندما يتعلق الأمر بتحديد موازين القوى أو مستقبل السلطة في السودان.
و لا يقتصر هذا التقارب على التنسيق الأمني و العسكري، بل يمتد – بحسب عدد من المحللين إلى تقاطع في المصالح الاقتصادية المرتبطة بالمؤسستين العسكريتين. فالجيش المصري يُعد أحد أكبر الفاعلين الاقتصاديين في مصر عبر شبكة واسعة من الشركات و المشروعات في قطاعات الصناعة و الإنشاءات و الزراعة و الخدمات، بينما راكم الجيش السوداني، خلال العقود الماضية، إمبراطورية اقتصادية من خلال شركات تعمل في التعدين و الزراعة و الصناعات العسكرية و التجارة و الاستثمار. و يرى أصحاب هذا التحليل أن وجود مؤسستين عسكريتين تتمتعان بنفوذ اقتصادي واسع خلق مصالح مشتركة في الإبقاء على الجيش لاعبًا اقتصاديًا و سياسيًا، و ليس مجرد مؤسسة وطنية للدفاع. ومن هذا المنظور، يُفسَّر حرص القاهرة على استمرار المؤسسة العسكرية السودانية في موقع القيادة باعتباره جزءًا من الحفاظ على نموذج إقليمي تتداخل فيه السلطة السياسية مع النفوذ الاقتصادي للمؤسسة العسكرية.
و قد تعزز هذا التصور بعد إنقلاب 25 أكتوبر 2021، حين اتهمت قوى سياسية سودانية القاهرة بأنها كانت أكثر ميلًا إلى التعامل مع القيادة العسكرية باعتبارها الضامن للاستقرار، في و قت كانت فيه قطاعات واسعة من السودانيين تطالب بانتقال كامل إلى الحكم المدني. و رغم أن مصر نفت دعم أي انقلاب، و أكدت أنها تؤيد استقرار السودان و مؤسساته، فإن استمرار علاقاتها الوثيقة مع القيادة العسكرية غذّى الشكوك حول حجم تأثيرها في مسار الأحداث.
كما برز النفوذ المصري في ملف سد النهضة، حيث سعت القاهرة باستمرار إلى تنسيق المواقف مع الخرطوم في مواجهة إثيوبيا. و يرى منتقدون أن هذا التنسيق لم يكن مجرد تعاون دبلوماسي، بل محاولة لإبقاء القرار السوداني قريبًا من الرؤية المصرية في واحدة من أهم قضايا الأمن القومي في المنطقة، بينما تؤكد مصر أن تقارب المواقف يعكس وحدة المصالح المائية بين البلدين.
و في المجال السياسي، استضافت القاهرة على مدى السنوات الماضية اجتماعات لعدد من القوى و الأحزاب و الشخصيات السودانية، و قدمت نفسها وسيطًا للحوار. غير أن معارضين رأوا في هذه اللقاءات محاولة للتأثير في تشكيل التحالفات السياسية وصياغة ترتيبات المرحلة الانتقالية بما ينسجم مع المصالح المصرية، في حين تصر القاهرة على أن دورها يقتصر على تيسير الحوار بين السودانيين.
و مع اندلاع الحرب في أبريل 2023، تجددت الاتهامات بأن الموقف المصري يميل سياسيًا و دبلوماسيًا إلى دعم القوات المسلحة السودانية باعتبارها المؤسسة الرسمية للدولة، و هو ما تنفيه القاهرة، مؤكدة أن دعمها ينصب على وحدة السودان و مؤسساته و ليس على الانحياز لطرف ضد آخر. إلا أن هذا الموقف عزز لدى بعض السودانيين الاعتقاد بأن مصر ترى في بقاء القيادة العسكرية الحالية الضامن الأساسي لمصالحها الاستراتيجية و الأمنية.
و يضاف إلى ذلك الدور الذي تلعبه بعض النخب الإعلامية و مراكز الدراسات المصرية، التي كثيرًا ما تقدم تحليلات حول الشأن السوداني تُفسَّر داخل السودان على أنها تعكس توجهات دوائر صنع القرار في القاهرة. و رغم أنه لا يوجد دليل قاطع على أن هذه الأصوات تتحدث باسم الدولة المصرية ، فإن تكرار تقاطع مواقفها مع السياسة الرسمية يدفع كثيرين إلى اعتبارها إحدى أدوات التأثير غير المباشر في المشهد السوداني.
إن القضية في جوهرها ليست اتهام مصر بالسعي إلى السيطرة على السودان، و إنما تتعلق بمدى قدرة الدولة السودانية على حماية استقلال قرارها الوطني. فكلما ضعفت المؤسسات المدنية، و تداخلت المصالح الاقتصادية و العسكرية، و احتكرت المؤسسة العسكرية السلطة، ازدادت قدرة القوى الإقليمية على التأثير في اتجاهات القرار السوداني. و لذلك، *فإن استعادة السيادة لا تبدأ بمواجهة الخارج، بل تبدأ بإصلاح الداخل* ؛ ببناء دولة مؤسسات، و جيش مهني يخضع للسلطة المدنية، و اقتصاد شفاف لا تحتكره أي مؤسسة، *بحيث تصبح العلاقات مع مصر، ومع غيرها من الدول، قائمة على الندية والمصالح المتبادلة، لا على النفوذ أو الوصاية أو تبادل الامتيازات بين النخب العسكرية* . بهذه المعادلة وحدها يمكن للسودان أن يحصّن سيادته، و يحول علاقاته الإقليمية من مصدر للشكوك إلى شراكات متوازنة تخدم مصالح الشعب السوداني.
المراجع :
1. Alex de Waal. The Real Politics of the Horn of Africa: Money, War and the Business of Power. Polity Press, 2015.
2. Willow Berridge. Civil Uprisings in Modern Sudan: The ‘Khartoum Springs’ of 1964 and 1985. Bloomsbury Academic, 2015.
3. Steven A. Cook. False Dawn: Protest, Democracy, and Violence in the New Middle East. Oxford University Press, 2017.
4. Military-Islamist State Building. Cambridge University Press, 2015




