
خضر كوة يكتب:
لم تعد مواقف القوى الإقليمية تجاه الأزمة السودانية تُقرأ فقط من زاوية الوساطة أو المساعي الدبلوماسية، بل أصبحت تُقاس بمدى قدرتها على الانحياز لمصالح الشعب السوداني وإنهاء الحرب، بعيداً عن الحسابات الضيقة وصراعات النفوذ. وفي هذا السياق، تواجه المملكة العربية السعودية اختباراً تاريخياً يتعلق بدورها في السودان، وبقدرتها على الحفاظ على موقعها كطرف يسعى إلى السلام لا كطرف يُنظر إليه باعتباره منحازاً لأحد أطراف الصراع.
ويرى منتقدو السياسة السعودية الحالية أن الرياض ابتعدت عن موقع الوسيط المحايد، واتجهت ـ وفق هذا التقييم ـ إلى دعم قيادة الجيش بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، وهو ما يضعها أمام تساؤلات حول مستقبل دورها الإقليمي في الملف السوداني. فالمشكلة، بحسب هذا الطرح، لا ترتبط بشخص البرهان وحده، وإنما بطبيعة المؤسسة العسكرية وتركيبتها السياسية، وما يراه هؤلاء من استمرار نفوذ تيارات إسلامية داخل مفاصل مهمة من الدولة والأجهزة الأمنية والعسكرية.
وبناءً على هذا التحليل، فإن أي دعم يُقدم لاستمرار الوضع القائم لا يُفسَّر باعتباره دعماً لمؤسسة وطنية فحسب، بل يُنظر إليه باعتباره إسناداً لبقاء منظومة سياسية وعسكرية أثارت جدلاً واسعاً خلال العقود الماضية. ويرى أصحاب هذا الرأي أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى إطالة أمد الحرب، وتأخير قيام دولة مدنية ديمقراطية قادرة على معالجة جذور الأزمة السودانية.
كما يرى هذا الاتجاه أن استمرار مساندة بعض القوى الإقليمية للقيادة العسكرية أفقدها القدرة على لعب دور الوسيط المقبول لدى جميع الأطراف، وأضعف الثقة في المبادرات الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء الحرب. فنجاح أي عملية سلام يحتاج إلى أطراف تحظى بثقة جميع السودانيين، لا أن تُصنَّف باعتبارها جزءاً من معادلة الصراع.
ويحذر هذا الطرح من أن استمرار التنافس الإقليمي داخل السودان سيحوّل البلاد إلى ساحة مفتوحة للمحاور الدولية والإقليمية، بما يشمل تأثيرات قوى مختلفة في المنطقة، الأمر الذي يهدد استقلال القرار السوداني ويُعمّق حالة عدم الاستقرار في القرن الأفريقي ومنطقة البحر الأحمر.
وفي المقابل، يدعو أنصار مشروع السودان التأسيسي إلى تجاوز منطق المحاور والحرب، والانتقال نحو بناء دولة جديدة تقوم على المواطنة المتساوية، والسلام الشامل، وعقد اجتماعي حديث يضمن مشاركة جميع السودانيين دون إقصاء. ويرون أن مستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى على إعادة إنتاج السلطة العسكرية أو استمرار الصراعات القديمة، بل عبر تأسيس دولة مدنية تكون فيها القوات المسلحة مؤسسة وطنية مهنية بعيدة عن العمل السياسي، وتخضع لسلطة مدنية منتخبة.
ويؤكد مؤيدو هذا الاتجاه أن الاستثمار الحقيقي في السودان يجب أن يكون في الإنسان السوداني، وفي إعادة إعمار ما دمرته الحرب، واستعادة الاقتصاد، وحماية موارد البلاد لتكون أساساً للتنمية والاستقرار، لا وقوداً لصراعات النفوذ.
إن السودان اليوم يقف عند مفترق طرق تاريخي، كما تقف معه القوى الإقليمية أمام مسؤولية كبرى: فإما أن يكون دعمها موجهاً نحو السلام وبناء دولة مستقرة تستعيد سيادتها، أو أن تتحمل تبعات استمرار حرب تهدد بانهيار مؤسسات الدولة وتفاقم الأزمات الإنسانية والأمنية في السودان والقرن الأفريقي والبحر الأحمر.
فالتاريخ لا يحاكم الدول فقط بما تقوله في لحظات الأزمات، بل بما تفعله عندما تكون الشعوب في أمسّ الحاجة إلى مواقف مسؤولة تصنع السلام ولا تُطيل عمر الصراع.




