
عماد أغبش
في تطور بالغ الخطورة، تجد سلطة بورتسودان نفسها أمام واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً منذ اندلاع الحرب السودانية، بعد تصاعد الاتهامات الأمريكية المرتبطة بملف الأسلحة الكيميائية والمواد المحظورة، وهي اتهامات تضعها تحت ضغط دولي متزايد، وتفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول طبيعة التعامل مع هذا الملف الحساس، ومدى استعدادها للتعاون مع آليات الرقابة الدولية.
فالقضية لم تعد مجرد خلاف سياسي أو سجال إعلامي عابر، بل أصبحت ملفاً ذا أبعاد أمنية وقانونية ودبلوماسية، بالنظر إلى خطورة الاتهامات المتعلقة بالأسلحة الكيميائية وما تمثله من تهديد للأمن الإقليمي والدولي. فالأسلحة المحظورة لا تُنظر إليها باعتبارها جزءاً من أي نزاع داخلي، بل باعتبارها تجاوزاً للخطوط الحمراء التي وضعتها القوانين والمواثيق الدولية لحماية المدنيين ومنع انتشار أدوات الدمار الشامل.
وتأتي هذه التطورات في وقت يعيش فيه السودان واحدة من أكثر مراحله هشاشة، حيث تتشابك الحرب مع أزمة إنسانية غير مسبوقة، وتتزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار الصراع وغياب الرقابة الفاعلة إلى خلق بيئة تسمح بظهور مخاطر تتجاوز حدود السودان إلى الإقليم بأكمله.
إن خطورة الاتهامات الأمريكية لا تكمن فقط في مضمونها، وإنما في التوقيت الذي ظهرت فيه، إذ يأتي ذلك في ظل محاولات دولية وإقليمية للوصول إلى تسوية تنهي الحرب وتعيد بناء مؤسسات الدولة. وأي اتهامات مرتبطة بالأسلحة الكيميائية أو المواد المحظورة يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة على مسار العلاقات الدولية، وعلى طبيعة التعامل مع السلطة القائمة في بورتسودان.
وتتمحور الأسئلة الكبرى حول طبيعة الإجراءات التي ستتخذها سلطة بورتسودان للتعامل مع هذه الاتهامات، وهل ستختار طريق الشفافية والتعاون الكامل مع الجهات الدولية المختصة لإزالة الشكوك، أم ستواصل سياسة الرفض والمواجهة التي قد تزيد من الضغوط والعزلة.
ففي مثل هذه القضايا، لا تكفي البيانات السياسية وحدها، ولا تكفي النفيّات المجردة، لأن المجتمع الدولي يتعامل مع ملفات الأسلحة المحظورة وفق معايير دقيقة تعتمد على التحقيقات والأدلة وآليات التحقق المستقلة. ومن هنا تصبح الاستجابة العملية هي الاختبار الحقيقي لأي جهة تواجه مثل هذه الاتهامات.
كما أن استمرار الحرب في السودان جعل البلاد أكثر عرضة لتداخل المصالح الإقليمية والدولية، حيث أصبحت الموانئ والمواقع الاستراتيجية والبنى العسكرية محط اهتمام واسع. ومن هنا تأتي أهمية ضمان أن تكون المؤسسات الوطنية قادرة على فرض الرقابة والانضباط، ومنع أي نشاط قد يعرض البلاد أو شعبها لمزيد من المخاطر.
إن بورتسودان، باعتبارها مركزاً إدارياً واقتصادياً مهماً خلال الحرب، تحمل مسؤولية مضاعفة في تقديم صورة واضحة عن طبيعة الإجراءات المتبعة داخل مؤسساتها، خصوصاً فيما يتعلق بحركة المواد الحساسة والشحنات ذات الاستخدامات المزدوجة التي قد تثير مخاوف أمنية.
فالمرحلة الحالية لا تحتمل مزيداً من الغموض. فالسودان المنهك بالحرب يحتاج إلى استعادة الثقة داخلياً وخارجياً، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا عبر بناء مؤسسات شفافة، والالتزام بالقوانين الدولية، وتقديم إجابات واضحة حول الملفات التي تثير القلق العالمي.
إن الاتهامات المتعلقة بالأسلحة الكيميائية ليست قضية سياسية عادية يمكن تجاوزها مع مرور الوقت، بل هي من الملفات التي تترك أثراً عميقاً على سمعة الدول ومكانتها الدولية. وأي سلطة تسعى إلى الحصول على الاعتراف والدعم تحتاج إلى إثبات التزامها بالقواعد التي تحكم المجتمع الدولي.
ويبقى السؤال المصيري: هل ستتعامل سلطة بورتسودان مع هذا الملف باعتباره فرصة لإثبات الشفافية وإزالة المخاوف، أم ستسمح بأن يتحول الاتهام إلى أزمة ممتدة تزيد من عزلة السودان وتعقيد أزمته؟
فالمستقبل لن تحدده التصريحات وحدها، بل ستحدده الخطوات العملية، ومدى القدرة على تقديم إجابات مقنعة للرأي العام السوداني والمجتمع الدولي.
وفي النهاية، فإن السودان الذي يبحث عن السلام والاستقرار لا يحتمل أن تتحول أرضه إلى ساحة لصراعات جديدة أو ملفات دولية أكثر خطورة. فالمطلوب اليوم هو حماية الوطن، وصون حياة المدنيين، وإعلاء مصلحة الشعب السوداني فوق كل الحسابات السياسية والعسكرية.




