رأي

نيالا والخرطوم ضرورة الإنتقال من منطق الإنتقال إلى منطق الكفاءة

الزين عبد العزيز

 

 الزين عبد العزيز 

يعيش السودان اليوم حالة “سيولة” خانقة، استمرة ثلاثة اعوام ونيف حيث استنزفت المشاكسات المنهجية ما تبقى من قدرة الدولة، وتحول المشهد العام من صراعٍ حول البرامج والرؤى إلى أزمة غياب هيكل إن الخروج من هذا النفق لا يتطلب مانيفستو سياسياً مستهلكاً، بل بروتوكولاً وطنياً يؤسس لمنطق هندسة المهام القائم على العقلنة والمصلحة الوطنية العليا.

إن الإصلاح الحقيقي في بيئة كالسودان يقتضي فك الارتباط بين “الشرعيات السياسية” العاطفية وبين آليات الحكم التنفيذية. إن الدولة في جوهرها ليست ساحة لإثبات الأحقية التاريخية أو الأيديولوجية، بل هي جهاز إداري وظيفته توفير الاستقرار والخدمات. التحول المطلوب هو مأسسة الكفاءة الرأس المال البشري كمعيار إجرائي صارم لتقييم أداء أي سلطة؛ حيث تُقاس جدارة الوزارات والمؤسسات بمدى نجاحها في تحقيق مؤشرات الأداء الرقمي، لا بقدرتها على حشد الولاءات.

إن المطلب الشعبي المعاصر في السودان، من نيالا إلى الخرطوم، ليس البحث عن زعيم ملهم أو تكرار تجارب الماضي، بل عن عقد خدمة يوفر الدواء، ويحمي الملكية، ويضمن تكافؤ الفرص في التوظيف والنمو. هذا يتطلب استبدال عقلية “دولة الغنيمة” بمفهوم “دولة الكفاءة”؛ حيث يخضع المسؤول لرقابة مؤسسية صارمة وشفافية مالية تضمن أن البقاء في السلطة مرهون بنجاحه في إدارة الموارد العامة وتحسين حياة المواطن.

كما تبرز الحاجة الملحة إلى “مؤسسات رقابية” مستقلة، تتجاوز توازنات الصالونات السياسية، لتعمل كصمام أمان وطني يراقب الميزانيات والسياسات، ويمنع تغول الفرد على المصلحة العامة. إن السودان بحاجة إلى تحويل “أهل الرأي والخبرة” من خارج أطر المحاصصة إلى داخل أطر القرار، لضمان أن تخضع السياسات العامة لمنطق التخطيط العلمي لا لارتجال اللحظة.

إننا أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في دوامة الخطابات التي أثقلت كاهل الوطن، أو البدء فوراً في “تأسيس مؤسسي” يجعل من “الخدمة” كمرجعية، و”المؤسسة” كأداة، و”الكفاءة” كمعيار وحيد. لا سبيل لإنقاذ الدولة إلا بتحويل المقاصد التنموية إلى “بروتوكولات” عمل يومية، تضع الإنسان السوداني وخبرته في قلب معادلة التأسيس، بعيداً عن صراعات الشرعيات الفارغة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!