
في كل مرة يحاول السودان أن يلتقط أنفاسه للخروج من أزماته ، يطل من جديد شبح يجر البلاد إلى الوراء ، اختراق الحركة الإسلامية للمؤسسة العسكرية يعتبر خطر وجودي على الدولة نفسها ، زرع جذور هذه الشجرة الخبيثة نظام البشير حين حوّل الجيش إلى ذراع حزبية ، وزج بالولاءات الأيديولوجية محل المهنية والانضباط العسكري .
ومع اندلاع الحرب الحالية ، برز هذا الخطر للسطح بلا أقنعة . فالمؤسسة العسكرية تعيش تناقضًا مريرًا ، من جهة تسعى للظهور كقوة قومية تحمي البلاد ، ومن جهة أخرى ينهشها طابور خامس من الضباط الإسلاميين الذين لا يزالون أوفياء لمشروع الإخوان المسلمين . الأخطر أن هؤلاء وجدوا في الحرب فرصة ذهبية لإعادة تسويق أنفسهم كـ “حماة الدولة” . رفعوا شعار الاصطفاف مع الجيش ضد العدو المشترك ، بينما غايتهم الحقيقية استغلال المعركة لاقتحام مواقع النفوذ واستعادة مشروعهم الذي لفظه الشعب . إنهم يتسللون عبر بوابة الحرب لإعادة إنتاج الخراب .
هذا التسلل يقلق السودانيين ويثير مخاوف مصر بشكل مباشر . فالقاهرة التي خبرت تجربة الإخوان بكل مراراتها تدرك أن عودتهم عبر الخرطوم تهديد لأمنها القومي . لذلك جاء موقفها حاسمًا ، لا مكان للإسلاميين في السودان . ولهذا تعمل مصر على دعم الضباط غير الإسلاميين ، ومواجهة أي محاولة لإعادة التغلغل داخل المؤسسة العسكرية .
لكن الخطر أعمق من كونه ملفًا بين الخرطوم والقاهرة . وجود الإخوان داخل الجيش يقوّض ثقة الشعب السوداني بمؤسسته العسكرية ، ويضعف صورة الجيش كقوة وطنية جامعة . فكيف لمواطن أنهكته الحروب والأزمات أن يثق في جيش يتنازعه مشروع أيديولوجي عابر للحدود ؟ هذه الفجوة في الثقة هي بالضبط ما يراهن عليه الإسلاميون ، فهم بارعون في ملء الفراغات كلما ضعفت الدولة وتفككت مؤسساتها .
الأمر لا يتوقف عند حدود السودان ومصر . أي عودة للإسلاميين عبر الجيش السوداني ستعني انفجار بؤر جديدة لعدم الاستقرار في ليبيا ، والقرن الأفريقي ، وحتى الخليج . ولهذا يتعامل المجتمع الدولي مع المسألة كقضية أمن إقليمي ، ويربط مستقبل السودان كله بمدى قدرة جيشه على اجتثاث هذا الاختراق القديم .
اليوم يقف الجيش السوداني أمام اختبار تاريخي لا يقبل المواربة . إما أن يتحول إلى مؤسسة وطنية نقية لا مكان فيها لمشروع الإخوان ، أو يظل أسيرًا لطابور خامس يعيد إنتاج الفوضى . في السياسة كما في الحرب ، المساحات الرمادية تنتهي دائمًا لصالح الأكثر تنظيمًا والإسلاميون بارعون في استغلال كل ثغرة . السودان الآن أمام مفترق طرق ، فإما أن يقطع الجيش حبل الوصاية الإخوانية نهائيًا ، أو يترك البلاد فريسة لمشروع يهدد وجودها ومستقبلها .




