رأي

حكومة التأسيس والمرأة السودانية: شراكة لا تكتمل إلا بحضور النساء في صناعة القرار

إنعام محمدين

 

إنعام محمدين 

في كل الحروب، تدفع النساء ثمنًا باهظًا لا يقل عن ثمن المقاتلين، بل يتجاوزه في كثير من الأحيان. فبينما ينشغل الرجال بخطوط المواجهة، تتحمل النساء مسؤولية حماية الأسر، ورعاية الأطفال، وتأمين سبل الحياة، وإدارة المجتمعات المحلية في ظروف النزوح والحصار وانهيار مؤسسات الدولة. لذلك فإن أي مشروع وطني يسعى إلى بناء دولة جديدة لا يمكن أن ينجح إذا لم يجعل المرأة شريكًا حقيقيًا في صناعة القرار.

ومع إعلان تحالف السودان التأسيسي وتشكيل حكومة السلام في مناطق سيطرته، يبرز سؤال مشروع يتردد بين كثير من السودانيات والسودانيين: هل ستنجح حكومة التأسيس في تقديم نموذج جديد يختلف عن تجارب الحكم السابقة، أم سيظل تمثيل النساء دون المستوى الذي يتناسب مع حجم دورهن وتضحياتهن؟

لقد تصدر المشهد السياسي والعسكري عدد من القيادات الرجالية في اللقاءات والفعاليات الرسمية، بينما ظل حضور النساء في مواقع اتخاذ القرار محدودًا مقارنة بحجم مشاركتهن في المجتمع وفي مواجهة آثار الحرب. وربما تفرض طبيعة المرحلة الأمنية والعسكرية بعض الأولويات، لكن ذلك لا ينبغي أن يحول دون التخطيط منذ الآن لبناء مؤسسات حكم تعكس التنوع الحقيقي للمجتمع السوداني.

ويذهب البعض إلى أن المرحلة الحالية هي مرحلة حرب وليست مرحلة بناء مؤسسات مدنية مكتملة، وأن توسيع المشاركة يمكن أن ينتظر إلى ما بعد استقرار الأوضاع. غير أن هذه الرؤية تتجاهل حقيقة مهمة، وهي أن النساء لم يكنّ خارج هذه الحرب يومًا. فقد كنّ في مقدمة المتضررين من النزوح، وفقدان المعيل، والعنف، والانهيار الاقتصادي، كما قدن مبادرات الإغاثة، وتنظيم المجتمعات المحلية، ودعم السلم الأهلي، والحفاظ على تماسك الأسر في أصعب الظروف.

لقد أصبحت المرأة السودانية اليوم أحد أهم أعمدة الصمود المجتمعي. وفي كثير من المناطق، كانت النساء هن من حافظن على استمرار الحياة اليومية في ظل غياب مؤسسات الدولة، وأسهمن في العمل الإنساني، والتعليم المجتمعي، والرعاية الصحية، وتسوية النزاعات المحلية. وهذه الخبرات المتراكمة ينبغي أن تجد طريقها إلى مؤسسات الحكم، لأنها تمثل رصيدًا وطنيًا لا يجوز إهداره.

ومن هنا فإن تعزيز مشاركة النساء في مؤسسات حكومة التأسيس لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مطلبًا فئويًا أو استجابة لضغوط خارجية، وإنما باعتباره جزءًا من مشروع بناء الدولة نفسها. فالدولة الحديثة لا تقاس فقط بقدرتها على إدارة الحرب أو تحقيق الأمن، وإنما أيضًا بقدرتها على تمثيل جميع مواطنيها بصورة عادلة.

إن تحالف السودان التأسيسي يقدم نفسه بوصفه مشروعًا لتأسيس مرحلة جديدة تقوم على السلام والعدالة والشراكة الوطنية. وهذه الرؤية تمنحه فرصة حقيقية لإرساء نموذج مختلف عن التجارب السابقة، من خلال ضمان مشاركة النساء بصورة مؤثرة في المجلس الرئاسي، ومجلس الوزراء، والهيئات المستقلة، والإدارات الإقليمية، واللجان المختصة بملفات الاقتصاد، والأمن، والسلام، وإعادة الإعمار.

ولا يتعلق الأمر بمجرد زيادة الأعداد، بل بتمكين النساء من تولي مواقع صنع القرار في مختلف القطاعات، بما يعكس الكفاءة والخبرة والتنوع الجغرافي والاجتماعي للسودان. كما أن فتح قنوات حوار منتظمة بين القيادة السياسية والمنظمات النسائية والمبادرات المجتمعية سيعزز الثقة، ويسهم في بناء سياسات أكثر ارتباطًا باحتياجات المواطنين على أرض الواقع.

ومن المهم كذلك أن يتضمن الإطار الدستوري أو السياسي لمشروع التأسيس مبادئ واضحة تكفل المشاركة العادلة للنساء في مؤسسات الحكم، مع وضع آليات شفافة لاختيار الكفاءات النسائية من مختلف أقاليم السودان، بما يضمن أن تكون المشاركة حقيقية وفاعلة، لا شكلية أو رمزية.

إن النساء السودانيات لا يطلبن امتيازًا خاصًا، وإنما يطالبن بحق أصيل تؤيده مبادئ العدالة والمواطنة المتساوية. فمن تحملن أعباء الحرب، وأسهمن في حماية المجتمع، وواصلن العمل في أصعب الظروف، يستحقن أن يكنّ شريكات في رسم مستقبل البلاد.

وإذا كان مشروع التأسيس يسعى بالفعل إلى بناء دولة تختلف عن تجارب الماضي، فإن أحد أهم معايير نجاحه سيكون مدى قدرته على إشراك النساء في صناعة القرار منذ البدايات. فالدولة التي يمثل فيها جميع أبنائها وبناتها أنفسهم داخل مؤسسات الحكم هي وحدها القادرة على ترسيخ السلام، وتعزيز الاستقرار، وبناء مستقبل يتسع للجميع.

 إنعام محمدين

المديرة التنفيذية

EM Centre for Sustainable Peace and Development

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!