رأي

السودان والهيمنة المصرية : الصيحة الاخيرة قبل الابتلاع الجزء السابع

المفكر والكاتب السياسي الدكتور النور حمد 

 

المفكر والكاتب السياسي الدكتور النور حمد 

خلاصة

احتلت مصر الخديوية السودان في عام 1821م. وقد مضى على تلك الحادثة التي غيَّرت مجرى التاريخ في السودان، أكثر من قرنين. مكثت مصر الخديوية في السودان في احتلالها الأول 64 عامًا حتى أخرجتها الثورة المهدية في عام 1885. وقد حدثت هزيمة الخديوية في السودان وجرى طردها بعد ثلاثة أعوامٍ من وقوع مصر تحت الاحتلال البريطاني في عام 1882. وقوع مصر في قبضة الاستعمار البريطاني هو الذي جعل الجنرال البريطاني تشارلس غردون حاكمًا على الخرطوم في الأعوام الأخيرة من الحكم الخديوي. فقد جرى إرساله إلى الخرطوم أثناء حصار الثوار المهدويين لها، وكانت مهمته الأساسية إجلاء القوات المصرية الموجودة هناك بعد أن سقطت كل مدن السودان وقراه في قبضة الثورة المهدية ولم تبق سوى العاصمة الخرطوم. فشل الجنرال غردون في مهمته وفشلت حملة الإنقاذ التي جرى إرسالها لمساعدته في الانسحاب الآمن من مهمتها. فاجتاح الثوار المهدويون الخرطوم وجرى قتل الجنرال تشارلس غردون على عتبات القصر الجمهوري الحالي. استمر حكم المهدويين للسودان لمدة 13 عامًا عقب طرد الاستعمار الخديوي. غير أن البريطانيين سيَّروا حملةً في عام 1898 اصطحبوا فيها معهم الخديويين وأنهوا الحكم المهدوي بعد الانتصار على جيوشه في معركة كرري شمالي أمدرمان. وبما أن البريطانيين لم يزيحوا الحكام الخديويين تمامًا عن حكم مصر، وإنما أبقوهم في أماكنهم وقاموا بحكم مصر من خلالهم، فقد بقيت تبعية السودان لمصر مُعشِّشةً في أذهان المصريين. لذلك، استمر المصريون متمسكين بفكرتهم المتجذِّرة في حلم الإمبراطورية الخديوية، وهي أن السودان جزءٌ لا يتجزأ من مصر.

قيام البريطانيون بالتمدد جنوبًا واحتلالهم للسودان مصطحبين معهم المصريين الواقعين تحت سيطرتهم في حملة الغزو تلك، جعلت المصريين يرون أن البريطانيين قد أعانوهم على استعادة السودان ووضعه تحت أيديهم من جديد. لذلك قام في الخلد المصري أن استقلال مصر عن بريطانيا حين يحدث سوف يجعل السودان، تلقائيًا، جزءًا منها. غير أن البريطانيين أنشأوا للسودان إدارة مختلفة وأداروه بمعزلٍ عن الحكومة المصرية. وفي عام 1924 حدث اغتيال السير لي ستاك سردار الجيش المصري وحاكم الخرطوم في القاهرة، فاستغل البريطانيون تلك الحادثة فأجبروا الجنود والموظفين المصريين على الانسحاب من السودان. ومنذ تلك اللحظة تقلَّص الظل المصري عن السودان. لكن، رغم ذلك، ظن المصريون أن وقوع السودان في قبضة الاستعمار البريطاني وإبعاد البريطانيين لهم عنه مسألة مؤقتة، لا أكثر. وقد نافحت الحكومة المصرية عن سيادتها على السودان كثيرًا في الفترة التي تلت طرد الجيش المصري والموظفين الحكوميين المصريين من السودان. وكما سبق أن أوردت، فإن إسماعيل صدقي رئيس وزراء مصر كان قد قال للشعب المصري عقب مفاوضاته بشأن مصير السودان مع بريطانيا في لندن في عام 1946، عبارةً شهيرةً، قال فيها: “لقد جئتكم بالسيادة على السودان”. واتضح لاحقًا أنها عبارة غير صحيحة لم تعكس بالضبط ما جرى في المفاوضات. لكن، مع ذلك بقي المصريون متمسكين بسيادتهم على السودان. ففي عام 1951 جرت تسمية الملك فاروق “ملك مصر والسودان”. وقد ورث زعماء انقلاب يوليو 1952 الذي أطاح بالملك فاروق وبالحقبة الملكية الخديوية في مصر، نفس هذا التصور من الخديويين. وطفق الرئيس جمال عبد الناصر وزملاؤه في مجلس قيادة الانقلاب يعملون بمختلف الأساليب على استعادة السودان، من خلال السودانيين الذين كانوا يؤمنون بشعار “وحدة وادي النيل”. وقد شرع المصريون في تسويق هذا المفهوم إلى قطاعٍ من السودانيين منذ الحقبة الملكية في أربعينيات القرن الماضي، حين بدأ يظهر أن الحركة الوطنية السودانية قد أخذت تدفع في وجهة استقلال السودان عن بريطانيا. حينها، نشأ حزب الأشقاء الذي كان يدعو إلى صورةٍ من صور الوحدة مع مصر. ثم ما لبث أن انشق هذا الحزب وخرج عنه الحزب الوطني الاتحادي الذي تزعمه السيد إسماعيل الأزهري، وحزب الشعب الديمقراطي الذي تزعمه السيد علي عبد الرحمن الأمين تحت رعاية زعيم الطائفة الختمية، السيد علي الميرغني.

هذا الانخراط المصري الطويل في شؤون السودان الذي استمر على مدى قرنين، باستثناء فترة حكم المهدويين التي لم تتجاوز 13 عامًا، أعطى مصر الفرصة لكي تسوِّق نفسها للعالم بأنها الأعرف بشؤونه والمفتاح لترتيب أوضاع العرب معه. وبسبب قلة حنكة وضعف آباء الاستقلال في السودان الذين فشلوا أن يُظهروا السودان بوصفه قطرًا مستقلاً؛ تاريخًا وهويةً وثقافةً، بل، وقطرًا له أفقه المستقبلي الخاص به، بقي السودان في الذهن المصري على الصورة المتوارثة من الحقبة الاستعمارية الخديوية. وقد رسخَّت تلك الفكرة في أذهان المصريين الشراكة الإسمية لمصر في حكم السودان تحت مظلة ما سُمَّي “الحكم الثنائي” البريطاني المصري، رغم أن هذه الشراكة انتهت منذ عام 1924. وقد تعدى هذا التصوُّر المتمثل في أن السودان كيانٌ واقعٌ بصورةٍ ما تحت المظلة المصرية، ليصبح معتنقًا، بصورةٍ من الصور، لدى المجتمعين الدولي والإقليمي، بقدرٍ من المقادير، منذ ذلك التاريخ وإلى اليوم.

لقد استثمرت مصر، كما سبق أن ذكرنا، ولقرنين كاملين، إلا قليلاً، في احتلال عقول السودانيين، وفي ربط نخبهم الممسكة بمفاصل السلطة والثروة والمعارف الحديثة بالهوية الجامعة ذات الطابع الإسلاموي التي تشكَّلت في المنطقة في ظل تمدُّدات الحكم العثماني في منطقة الشرق الأوسط. وقد تعلق مسلمون كثيرون ومن بينهم نحن السودانيين، عقب سقوط الخلافة في تركيا، بفكرة استعادتها، باعتبار أن سقوطها مؤامرة غربية استعمارية ذات مسحةٍ صليبة غرضها تدمير الإسلام. ومن ثم، راجت في أوساطنا أفكار حزب التحرير الإسلامي، والإخوان المسلمين، وما شابه ذلك. إلى جانب ذلك كان هناك ذلك الجيش الضخم من الدعاة والأئمة والوعاظ المرتبطين عضويًّا بمفاهيم هذه التيارات السياسية، الذين دعموا الإسلام السياسي بمختلف فصائله. وقد قادت هذه النزعة التي تلت سقوط الخلافة الإسلامية في تركيا إلى تجذير الهوية في الدين وحده. ويمكن القول، إن نخبنا المتعلمة الممسكة بمفاصل السلطة والثروة قد أسهمت بقدرٍ كبيرٍ في ترسيخ فكرة إلحاق السودان بمركزيةٍ تقع خارج حدود القطر، الأمر الذي جعلنا نحن السودانيين الشماليين أقرب ما نكون شبهًا بالزوار الطارئين للبلاد. وكان التجسيد الأكبر لهذه المركزية الخارجية متجسدًا بالنسبة للسودانيين، أو لقطاع عريضٍ منا، على الأقل، هو الجارة مصر. ويمكن القول، بصورةٍ عامةٍ، أن انهيار الخلافة العثمانية وما صاحبها من اندياح ٍللهجمة الاستعمارية الأوروبية في المشرق العربي قد أدى، إلى جانب التعلُّق بالهوية الإسلاموية المرتبطة بمفهوم استعادة الخلافة، إلى نشوء انبثاقٍ جديدٍ تمثَّل في مفهوم خلق أمميةٍ إسلاميةٍ عابرةٍ للأقطار. هذا الانبثاق هو حركة الإخوان المسلمين، التي لا تزال تروج لمشروعها العابر للأقطار، متخذةً أذرعًا انقلابية وتكتيكاتٍ عنفيةٍ لتحقيقه.

أما المسار الإلحاقي الآخر الذي جر نخبنا إليه، فقد تنامى مع صعود اليسار العربي وظهور الأفكار القومية المتمثلة في التيارات البعثية والناصرية التي روَّجت لمفهوم الهوية العربية الموحدة الجامعة. وقد أدى الصراع العربي الإسرائيلي إلى تقوية هذا التيار منذ منتصف القرن العشرين. عمومًا، أصبحنا نحن السودانيين ضحايا لحالة الاستقطاب الحادة التي نشأت بين اليسار العربي العلماني المتأثر بأدبيات الفكر الماركسي، واليمين العربي المستظل بالمظلة الدينية للمنظومة السنية. وكلا التيارين رسخا بيننا التجذير لهويتنا في مركزية تقع خارج حدود بلادنا وكذلك خارج سردية تاريخنا الخاص بنا. ولقد قاد تمدُّد الشيوعية الدولية في أقطار العالم النامي، إلى أن ينشط الغرب في محاربتها، ووقف زحفها. ومن هنا جاء اصطفاف الغرب الإمبريالي في حقبة الحرب الباردة وراء الأنظمة والأحزاب الدينية في المشرق العربي. وجاء اصطفاف الاتحاد السوفييتي وراء الأنظمة والأحزاب اليسارية؛ من شيوعية وبعثية وناصرية.

غير أن المشهد ما لبث أن تغير بتفكُّك الاتحاد السوفييتي الذي بدأ منذ منتصف الثمانينيات من القرن الماضي الذي أدى إلى تراجع اليسار العربي، حتى تحوَّل إلى ما يقرُب من الظاهرة الصوتية. وانفتح، من ثم، الباب للبراغماتية الأمريكية لتتلاعب بتناقضات القوى السياسية وأنظمة الحكم في المشرق العربي، وفقًا لما يخدم مصالحها في الزمان المُعيَّن والمكان المُعيَّن. وهكذا أصبحت المنطقة برمتها عالقةً في أرجوحةٍ من التقلبات لا تتوقف إلا لتدور من جديد. ونتيجةً لتراجع اليسار القومي، وصعود التيارات الإسلاموية في المنطقة، تمدَّدت إيران رويدًا، رويدًا، منذ ثورة الخميني، لتملأ جزءًا من الفراغ الذي نتج عقب نشوء القطبية الواحدة. فأصبحت إيران لاعبًا جديدًا في المشهد، بدفقٍ دينيٍّ جديد، وإمكاناتٍ جديدةٍ، لتصبح عاملاً مؤثرًا في الحلبة. ولتأتي بتعقيداتٍ إضافية إلى المشهد في مضمار الهوية الدينية الجامعة، عبر مد ذراعٍ جديدٍ للإسلام السياسي، متمثلاً في المذهب الشيعي الإثني عشري. وبما أن دولتنا، نحن السودانيين، لا تزال دولة مضطربةً، ضعيفة القدرات المالية والعسكرية والعلمية، وبما أن قادتنا ونخبنا قومٌ بقوا مشتَّتي الأفكار ومتشاكسين، فقد أصبحنا نحن السودانيين الأكثر تضررًا من هذا الوضع الذي انتهت بنا فيه وضعيتنا الملحقة بمركزية تقع خارج تربة بلادنا وتاريخها إلى أن نصبح لعبةً في يد القوى الدولية والإقليمية.

خطة إعادة إعمار السودان

في هذه اللحظة الفارقة من التاريخ السوداني المعاصر، تأتي خطة إعادة إعمار السودان الذي دمرته الحرب، لتكشف عن تحالفٍ مصريٍّ خليجيٍّ لوضع السودان تحت الوصاية المصرية، وبصورةٍ لم تحدث بمثل هذا السفور والجرأة من قبل. أقنعت مصر بعض الدول الخليجية، بعد أن أقنعت الفريق البرهان، أن تكون هي الوصيَّة على السودان، وأن تتولى بمفردها، تنفيذ خطة إعماره التي تنتهي بجعل صادراته ووارداته في يدها بالكامل. جرَّت مصر إلى جانبها هذه الدول الخليجية لكي تتكفل بتمويل الخطة، نظير أن تضمن لها مصر تحقيق جميع مصالحها في السودان، بحكم الوصاية التي فرضتها بنفسها عليه. ويأتي على رأس مصالح الدول الخليجية في السودان، الأمن الغذائي والجيواستراتيجي. والسبب، في هذا السفور الجرئ الذي أعلن عن نفسه دون مواربة، من جانب مصر والمنخرطين معها في الخطة من الدول الخليجية، هو فشلنا نحن السودانيين في إدارة شؤوننا إلى درجةٍ أغرت الآخرين بالتفكير في فرض الوصاية علينا. وقد توَّج الإخوان المسلمون فشلنا التاريخي الذي امتد منذ مؤتمر الخريجين في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، بما ارتكبوه في حق البلاد وأهلها عبر ستة وثلاثين عامًا من الحكم الانفرادي من تخريبٍ لكل شيء. وحبسهم البلاد في حالة مستدامةٍ من اللا استقرار وانعدام التنمية. وقد ساعد في ذلك تقديم تنظيم الإخوان المسلمين الحاكم قياداتٍ قزمةٍ، جاهلةٍ، ومرتشيةٍ، هبطت بسمعة السودان والسودانيين إلى الحضيض. لذلك، ليس غريبًا أن ينطبع ويرسخ في أذهان قيادات القوى الدولية والإقليمية أن السودانيين غير قادرين على حكم أنفسهم. ومن الأفضل لهم وللإقليم، بل وللعالم، أن يوضعوا بصورةٍ ما، تحت وصاية قوةٍ ما تتولى عنهم إدارة شؤونهم. وقد أحست مصر منذ ثورة ديسمبر 2018، أن فرصتها المنتظرة منذ أكثر من ثمانين عامًا قد أتت. ولقد أكد لها ذلك الفريق البرهان بحرصه الجنوني على الانفراد بالسلطة، مع لا مبالاةٍ عديمة الشبيه تشمل التضحية باستقلال البلاد وما يمكن أن يصيبها من دمارٍ ويصيب أهلها من تشردٍ من جراء مغامرة الحرص على البقاء في السلطة، تحت التوجيه والرعاية والسند المصري؛ العسكري والسياسي والدبلوماسي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!