الإدارات الأهلية في السودان٠٠ من رسالة الاستخلاف في الإعمار إلى محرقة التفكيك الإخواني
جيلان شارف أجبر

جيلان شارف أجبر
عندما خلق الله الأرض وجعل الإنسان خليفةً عليها، وضع منذ البدء نظاماً كونياً للإدارة، يرتكز على تنظيم أدوار البشر في إعمار الأرض، وتوزيع الفرص، وتنمية الموارد، وصيانة الحياة. هذا التخطيط الرباني لم يكن عشوائياً، بل جاء ليحفظ النوع البشري من خلال آليات للعدالة، والإنتاج، والسلام. وفي هذا السياق، لم تكن “الإدارة الأهلية” في السودان مجرد صدفة تاريخية، بل هي امتدادٌ لذلك المفهوم القويم في حفظ الكيان الاجتماعي، فهي نظامٌ تدعمه العادات والأعراف لضمان الحماية، وإدارة الحياة في أدق تفاصيلها، من أفراح الناس في مواسم الحصاد إلى أتراحهم في أوقات الأزمات.
لقد كانت الإدارة الأهلية -بهذا المفهوم- تجسيداً لقدرة القبيلة على تنظيم إمكانياتها وفق احتياجاتها، حيث العمد والمشايخ هم حراسُ التماسك، ومرجعياتُ الفصل، وصمامُ الأمان الذي يحول دون الانزلاق نحو الفوضى. ولكن، حين تأتي سلطة كـ “حكومة الإخوان المسلمين” لتستهدف هذا الهيكل التنظيمي، فإنها لا تستهدف “أشخاصاً” فحسب، بل تعتدي على الجوهر الذي يحفظ تماسك المجتمع.
إن استراتيجية التفكيك التي انتهجها هذا النظام تقوم على تفتيت النسق الاجتماعي وإحلال “الهشاشة” محل التماسك. لقد أدركت هذه السلطة أن القبيلة المتماسكة بمرجعياتها الأهلية هي خط دفاعٍ أصيل ضد مشاريع التفرقة، فلجأت إلى “سياسة فرق تسد” عبر زرع بذور الكراهية وبث خطاب العنصرية المسموم. إن خطاب الكراهية هنا ليس مجرد كلمات عابرة، بل هو “النواة” التي صُممت بعناية لتكون وقوداً لحرب أهلية تأكل الأخضر واليابس، هدفها الأسمى إنهاء نظام التماسك القبلي الذي ظل لقرون يمنع تمزق البلاد.
إن ضرب القيادات الأهلية ومحاولة إقصائها من المشهد ليس إلا عملية “هدمٍ ممنهج” للمرجعية. فحين تغيب السلطة المرجعية التي تفصل في الخلافات الصغير منها والكبير، تسود شريعة الغاب، وتتحول الخصومات البسيطة إلى نزاعات دموية تغذي أمد الحرب. إنهم يريدوننا بلا مرجعية، بلا عادات تحمينا، وبلا نسيج يربطنا، ليُبسطوا سيطرتهم على أنقاض مجتمعٍ ممزق.
إن الدفاع عن الإدارة الأهلية اليوم ليس تمسكاً بـ “ماضٍ غابر”، بل هو دفاعٌ عن “التخطيط الرباني” للإعمار والبقاء في مواجهة مشاريع الإبادة والتفكيك. إن استعادة الاعتبار لهذه المؤسسة هو الخطوة الأولى لاستعادة عافية السودان، والوقوف في وجه من أرادوا تحويل أرضنا من مساحة للتعايش والسلام وتواصل الأجيال علي حفظ التراث والهوية إلى ساحةٍ للتناحر والاقتتال الأبدي.




