
سيف الدين هارون
نعود بعد فترة “استراحة محارب”، والعودُ أحمدُ. لقد جرت مياه كثيرة تحت الجسور خلال هذه الفترة؛ منها ما هو ثابت راسخ، ومنها ما ذهب جفاءً كزبد السيل الذي تطيح به قوة اندفاع التيار إلى حيث ينتهي به المطاف. ومع ذلك، تظل جذوة الصراع متقدة، لا سيما على الحدود الشمالية مع الجارة التي يتظاهر القائمون على أمرها بذرف دموع التماسيح، بينما تضمر سرائرهم شرّاً مستطيراً. وهي نوايا ودوافع لم تكن وليدة اللحظة، بل هي نتاج سلوك خبيث ومستمر، اتخذ أشكالاً متعددة تتماشى مع طبيعة الأنظمة الدكتاتورية العسكرية المتعاقبة على حكم مصر؛ تلك الدولة التي لم تنعم طوال تاريخها الحديث بفترة حكم مدني ديمقراطي مشروع مسنود بإرادة شعبية حقيقية، سوى بضعة أشهر إبان فترة الرئيس المنتخب ديمقراطياً د. محمد مرسي، والذي لقي مصيراً قاتماً إثر جريمة اغتيال سياسي ممنهج داخل أحد السجون المصرية، ليدون التاريخ واحدة من أسوأ جرائم الاغتيال السياسي لرئيس منتخب في العهد المعاصر.
لقد كُتب على إخوتنا في شمال الوادي تاريخياً مسارٌ فُرض عليهم فرضاً، وصاغ معالم ممارستهم السياسية القائمة على التعسف وسيطرة العسكر على مفاصل الدولة ومؤسساتها المدنية. وتحت وطأة هذا الحكم، ظلت الدولة ترزح تحت مستويات قاسية من الفقر والبؤس الاقتصادي، نتيجة هيمنة المؤسسة العسكرية على نحو 80% من مدخلات الإنتاج. هذه الهيمنة مكنت العسكر من البقاء على رأس هرم السلطة، وفرض هيبة الدولة بالمنظور الأمني والعسكري فقط، مع تحويل الاقتصاد بكامله إلى نموذج يعتمد على القروض الأجنبية والعربية التي تُضخ في ميزانية تسيطر عليها القيادة العسكرية. ومن هنا، اعتادت المؤسسة السياسية والعسكرية الحاكمة في القاهرة استغلال علاقاتها الخارجية والإقليمية للتدخل في شؤون دول الجوار.
وبما أن السودان يمثل دولة جوار تربطها بمصر ظروف تاريخية واستثنائية، فقد ظلت القاهرة تلعب على هذا الوتر الحساس، مستغلةً تقلبات الظروف السياسية وطبيعة الأنظمة المتعاقبة في الخرطوم. لقد استثمرت في ضعف هذه الأنظمة وتبعيتها، وحاولت جاهدة إبقاء السودان في أضعف حالاته وهوانه، لضمان استنساخ صورة مكررة من نظام الحكم القائم في القاهرة.
وقد تجلى ذلك بوضوح في الأزمة الراهنة؛ حيث ارتهنت الإرادة السياسية الحالية لمحاور إقليمية ودولية تأتي مصر في مقدمتها. إذ استغلت القاهرة ظروف الحرب الطاحنة والمأساة الإنسانية التي دفعت بنحو 60% من السودانيين للجوء إلى أراضيها، ليتعرضوا هناك لشتى أنواع التضييق، والتعسف، والاضطهاد، والاستغلال المادي والمعنوي.
لقد لعبت الإدارة السياسية والعسكرية المصرية، عبر أجهزتها الاستخباراتية، دوراً مباشراً وغير مباشر في التدخل في الشأن الداخلي السوداني، محاولةً توجيه المزاج السياسي العام ومسار الحرب الداخلية. ومكّنها هذا التدخل من استغلال حالة الفوضى القائمة لنهب ثروات البلاد بصورة غير مسبوقة، وفرض اتفاقيات اقتصادية مجحفة ومذلة مقابل توفير غطاء عسكري محدود (كبعض الدعم الجوي والعتاد العسكري) للجيش السوداني الذي يواجه نقصاً حاداً مع تطاول أمد الحرب.
ومن أمثلة هذه الاتفاقيات المجحفة، تلك التي منحت مصر حق استغلال مليون فدان من الأراضي الزراعية في الولاية الشمالية إبان عهد النظام المخلوع (المشير عمر البشير). وقبل أسبوع فقط، تم تمرير اتفاقية أخرى تمنح الجانب المصري مليون فدان إضافي في الولاية الشمالية على الحدود السودانية المصرية، لتمكين الحكومة المصرية من الاستثمار الزراعي وزراعة محاصيل كانت تستوردها سابقاً وتوقفت إمداداتها بسبب الحرب وسيطرة قوات الدعم السريع على مناطق زراعية أخرى كانت تستغلها مصر في السابق.
تعد هذه الاتفاقيات من أسوأ الصفقات التي فرضها النظام العسكري المصري على السودان، سواء في عهد البشير أو في عهد البرهان الذي سلم البلاد بالكامل للتدخلات والإملاءات المصرية دون قيود أو تحفظات. ويحدث كل هذا في ظل توترات عسكرية على الحدود الشرقية بين الحين والآخر، واستباحة الطيران العسكري المصري للأجواء والأراضي السودانية المتاخمة للحدود الشمالية، وتحديداً مناطق التعدين الأهلي (التقليدي) في ولايتي الشمالية والبحر الأحمر؛ وهي مناطق شهدت انتهاكات وجرائم لم تجرؤ الحكومة الحالية على الإفصاح عنها، أو إدانتها، بل ذهبت إلى إنكارها تماماً وإنكار الضحايا السودانيين الذين سقطوا داخل حدود وطنهم السيادية. هذا ناهيك عن ملف منطقتي حلايب وشلاتين وأبو رماد المحتلتين، الغنيتين بالموارد المعدنية والطبيعية الاستراتيجية التي تدخل في صناعات دولية مهمة.
إن هذا الواقع الأليم قد تجاوز بالفعل كافة الخطوط الحمراء، ووصل بنا إلى مراحل غير مسبوقة من الهوان والتبعية. وقد آن الأوان لهذا الشعب العظيم أن يكسر قيود هذا الصمت، وينتفض دفاعاً عن قيم ومبادئ وتاريخ السودان الذي أضحى ضحية للأمزجة السياسية والسياسيين والمتربصين بالوطن. فلنجعل من حراك “ترس الشمال” شرارةً لبداية انتفاضة توقظ مكامن النخوة والكرامة في نفوس الشعب السوداني لاسترداد حقوقه الوطنية المسلوبة، والوقوف في وجه تلاعب القيادة العسكرية والسياسية المتسلطة في مصر التي تحاول التحكم في مصائرنا واستغلال مواردنا ونهبها مستغلةً أزماتنا الداخلية والفراغ السياسي الراهن.
سيف الدين صالح هارون
الولايات المتحدة الأمريكية




