
محمد غافل
3- رؤية اللجان المدنية السودانية لإعادة تأسيس الدولة السودانية:
لم تنشأ اللجان المدنية السودانية بوصفها تنظيمًا مدنيًا يسعى إلى تنظيم العمل المجتمعي فحسب، وإنما جاءت أيضًا حاملةً لمشروع سياسي وطني يسعى إلى معالجة جذور الأزمة السودانية التي لازمت الدولة منذ الاستقلال. فمنذ عام 1956م تعاقبت الحكومات المدنية والعسكرية وتعددت الاتفاقيات والمبادرات السياسية إلا أن السودان ظل يدور في دائرة من الحروب والانقلابات والأزمات الاقتصادية والاستقطاب السياسي، الأمر الذي يؤكد أن الأزمة ليست أزمة حكومات وإنما أزمة بنية الدولة نفسها.
لذلك تؤمن اللجان المدنية السودانية بأن السودان بحاجة إلى إعادة تأسيس شاملة للدولة، تقوم على عقد وطني جديد يعالج الاختلالات التاريخية ويؤسس لدولة المواطنة والعدالة والسلام والتنمية.
ولهذا جاء المشروع السياسي للجان المدنية السودانية باعتباره رؤية وطنية لإعادة بناء الدولة السودانية.
أولاً: الدولة السودانية الجديدة
يرتكز المشروع السياسي للجان المدنية السودانية على بناء دولة حديثة ديمقراطية فيدرالية تقوم على سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان والفصل بين السلطات والتداول السلمي للسلطة.
وترى اللجان المدنية السودانية أن الدولة يجب أن تكون دولة جميع المواطنين دون تمييز بسبب العرق أو القبيلة أو الدين أو الثقافة أو الجهة أو النوع الاجتماعي أو الانتماء السياسي وأن تكون المواطنة وحدها أساس الحقوق والواجبات.
كما تؤمن بأن التنوع الذي يتميز به السودان ليس سببًا للصراع وإنما مصدر قوة وطنية يجب إدارته عبر مؤسسات دستورية عادلة تكفل المشاركة المتساوية لجميع السودانيين.
ثانياً: الفيدرالية… مدخل لوحدة السودان
تتبنى اللجان المدنية السودانية النظام الفيدرالي باعتباره الخيار الأنسب لإدارة السودان لما يتميز به من مساحة شاسعة وتنوع سكاني وثقافي وإثني.
وترى أن الفيدرالية هي الوسيلة الوحيدة لتعزيز وحدته السودان ارضاً وشعباً من خلال توزيع السلطات بين المركز والأقاليم وتمكين الحكومات الإقليمية من إدارة شؤونها وفقًا للدستور.
وتؤكد اللجان المدنية السودانية أن نجاح الدولة السودانية في المستقبل مرهون بإقامة نظام حكم يحقق العدالة في توزيع السلطة والثروة ويضع حدًا للتهميش الذي أسهم في اندلاع النزاعات المسلحة خلال العقود الماضية.
ثالثاً: المواطنة أساس الدولة
يقوم المشروع السياسي للجان المدنية السودانية على مبدأ المواطنة المتساوية باعتباره الأساس الذي تُبنى عليه الدولة الحديثة.
فلا يجوز أن تكون الحقوق مرتبطة بالقبيلة أو الدين أو الإقليم أو الانتماء السياسي ويجب أن يتمتع جميع المواطنين بالحقوق المتساوية أمام القانون مع التزام الدولة بحماية الحريات العامة والحقوق الأساسية وضمان استقلال القضاء وتحقيق العدالة وسيادة القانون.
رابعاً: إعادة بناء المؤسسة العسكرية
ترى اللجان المدنية السودانية أن التجربة السودانية أثبتت أن تداخل المؤسسة العسكرية مع العمل السياسي كان أحد الأسباب الرئيسية لعدم الاستقرار السياسي وتعاقب الانقلابات العسكرية وتعثر التجربة الديمقراطية.
ومن لهذا تدعو اللجان المدنية السودانية إلى بناء جيش قومي مهني جديد يمثل جميع السودانيين ويقوم على عقيدة عسكرية وطنية تجعل حماية الدستور وسيادة الدولة ووحدة التراب الوطني وأمن المواطنين مهمته الأساسية.
كما تؤكد ضرورة ابتعاد المؤسسة العسكرية عن العمل السياسي والاقتصادي بما يضمن قيام نظام ديمقراطي مستقر ومؤسسة عسكرية محترفة تعمل في إطار الدستور والقانون.
خامساً: إعادة بناء الأجهزة الأمنية والشرطية
تؤمن اللجان المدنية السودانية بأن الأمن يمثل أحد ركائز الدولة الحديثة ولذلك تدعو إلى إعادة بناء الأجهزة الأمنية والشرطية على أسس مهنية وقانونية.
وترى أن يقتصر دور جهاز المخابرات على جمع المعلومات وتحليلها وتقديمها للجهات المختصة، دون ممارسة أي سلطات استثنائية خارج إطار القانون.
كما تدعو إلى بناء جهاز شرطة قومي مهني مستقل تكون مهمته حماية المواطنين وإنفاذ القانون وصيانة الأمن العام واحترام حقوق الإنسان.
سادساً: إعادة بناء الخدمة المدنية
ترى اللجان المدنية السودانية أن الخدمة المدنية هي العمود الفقري للدولة وأن إصلاحها يمثل شرطًا أساسيًا لنجاح أي مشروع وطني.
ولذلك تدعو إلى إعادة بناء مؤسسات الخدمة المدنية على أسس الكفاءة والاستحقاق والنزاهة والقومية والشفافية بعيدًا عن المحاصصة السياسية أو الجهوية بما يضمن تقديم خدمات عامة ذات جودة لجميع المواطنين.
سابعاً: العدالة الانتقالية وبناء السلام
تؤمن اللجان المدنية السودانية بأن السلام الحقيقي لا يتحقق بمجرد وقف إطلاق النار، وإنما يتطلب معالجة جذور الصراع، وكشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات وفقًا للقانون.
كما تؤكد أهمية رتق النسيج الاجتماعي، ونبذ خطاب الكراهية، وتعزيز ثقافة الحوار، وتحقيق المصالحة الوطنية على أسس العدالة، بما يمنع تكرار الصراعات في المستقبل.
ثامناً: التنمية وإعادة الإعمار
تنظر اللجان المدنية السودانية إلى إعادة الإعمار باعتبارها مشروعًا وطنيًا لإعادة بناء الإنسان والدولة معًا، وتدعو إلى تبني سياسات تنموية عادلة بين الأقاليم وإعادة تأهيل البنية التحتية وتطوير التعليم والصحة والخدمات الأساسية وتشجيع الاستثمار والإنتاج وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم بصورة آمنة وكريمة.
تاسعاً: المرحلة الانتقالية
ترى اللجان المدنية السودانية أن المرحلة الانتقالية يجب أن تكون مرحلة تأسيس للدولة الجديدة، ولذلك ينبغي أن تنصب أولوياتها على إصلاح مؤسسات الدولة وإعداد دستور دائم وإجراء تعداد سكاني شامل وتهيئة البيئة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة إلى جانب معالجة آثار الحرب وتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للمواطنين.
عاشراً: السودان الذي ننشده
إن المشروع السياسي للجان المدنية السودانية هو مشروع لبناء سودان جديد يقوم على الحرية والسلام والعدالة والمواطنة المتساوية وسيادة القانون والتنمية المتوازنة والمؤسسات القومية المهنية.
وهو مشروع يؤمن بأن استقرار السودان لن يتحقق إلا عبر دولة عادلة وجيش قومي محترف، ومؤسسات مستقلة ومشاركة سياسية واسعة وتنمية تشمل جميع الأقاليم دون تمييز، وتؤكد اللجان المدنية السودانية أن هذا المشروع ليس ملكًا لتنظيم بعينه وإنما هو دعوة مفتوحة لكل القوى الوطنية والمدنية الراغبة في بناء وطن يتسع لجميع أبنائه ويطوي صفحات الحروب والانقسامات ويفتح آفاقًا جديدة لدولة حديثة مستقرة وقادرة على تحقيق تطلعات شعبها في الحرية والسلام والعدالة.
نواصل……




