درس حركة الحقوق المدنية الأمريكية؟ ولماذا يحتاج السودان إلى لحظته الدستورية الخاصة؟ (٤-٨)
بروفيسور خالد كودي ،، بوسطن

بروفيسور خالد كودي ،، بوسطن
الجزء الرابع: لماذا يحتاج السودان إلى لحظته الدستورية الخاصة؟
إذا علمتنا التجربة الأمريكية شيئاً، فهو أن الدول لا تخرج من الحروب بمجرد إسكات البنادق، وإنما بإعادة تأسيس العقد الدستوري الذي يحكمها. فالحرب الأهلية الأمريكية لم تنتهِ بانتصار عسكري فقط، بل بإعادة تعريف الدولة عبر تعديلات دستورية كما اسلفنا، ثم جاءت حركة الحقوق المدنية بعد قرابة قرن لتحول تلك المبادئ إلى واقع قانوني ومؤسسي. وبذلك لم يكن السلام نتيجة لوقف الحرب وحده، بل نتيجة لتغيير قواعد الدولة نفسها.
وهذا هو السؤال الذي يواجه السودان اليوم.
هل يكفي وقف إطلاق النار؟
هل تكفي حكومة انتقالية جديدة؟
هل يكفي تقاسم السلطة بين القوى السياسية والعسكرية؟
لقد أجاب التاريخ السوداني عن هذه الأسئلة مراراً. فمنذ الاستقلال عام 1956، عرف السودان حكومات انتقالية، واتفاقات سلام، ووثائق دستورية، وتسويات سياسية، وتقاسماً للسلطة، لكن الحرب كانت تعود في كل مرة، لأن ما كان يُعالَج هو نتائج الأزمة، لا أسبابها. وكانت النخب تتفاوض حول من يحكم، بينما تؤجل النقاش حول طبيعة الدولة التي أنتجت الحرب كما تحاول ان تفعل الان. ولهذا فإن السودان لا يواجه اليوم أزمة حكومة، بل أزمة تأسيس دولة.
فجوهر الأزمة ليس في الأشخاص الذين يتولون السلطة، بل في النموذج الدستوري الذي قامت عليه الدولة منذ الاستقلال؛ نموذج احتكر تعريف الهوية الوطنية، وركز السلطة والثروة، وخلط بين الدولة والدين، وأنتج تفاوتاً تاريخياً بين المركز والأقاليم، وترك العلاقة بين المواطنة والهوية والتنوع بلا حسم دستوري.
ومن هنا يصبح التمييز بين الإصلاح السياسي والتأسيس الدستوري أمراً حاسماً.
فالإصلاح السياسي يعيد ترتيب مؤسسات الدولة القائمة، أما التأسيس الدستوري فيعيد تعريف الدولة نفسها.
الإصلاح يغير الحكومات، أما التأسيس فيغير القواعد التي تحكم جميع الحكومات. الإصلاح يعالج الأزمة، أما التأسيس فيعالج أسباب إنتاجها.
ولهذا يحتاج السودان إلى لحظته الدستورية الخاصة والحاسمة؛ لحظة تنتقل فيها البلاد من إدارة الصراع إلى إعادة تأسيس الدولة، ومن التفاوض على السلطة إلى الاتفاق على المبادئ التي لا يجوز أن تكون موضوعاً للتفاوض في كل مرحلة انتقالية.
وفي الفقه الدستوري المقارن، تُعرف هذه المبادئ باسم المبادئ فوق الدستورية أو المبادئ المؤسسة للدولة. وهي ليست نصوصاً عادية تخضع لتقلبات السياسة أو لتغير موازين القوى، وإنما قواعد تحمي المجتمع من عودة الاستبداد، والتمييز، والانقلاب على النظام الدستوري. فهي لا تحمي حكومة، ولا حزباً، ولا أغلبية، وإنما تحمي الدولة من نفسها.
ولهذا لا تقوم الديمقراطية على حكم الأغلبية وحده، بل على وجود حدود دستورية لا تستطيع الأغلبية نفسها تجاوزها. فلا يجوز للأغلبية أن تعيد الرق، أو تلغي مبدأ المواطنة المتساوية، أو تحرم المواطنين من حقوقهم الأساسية، أو تحول الدولة إلى أداة لفرض هوية واحدة أو دين واحد أو ثقافة واحدة على بقية المجتمع.
وهذا هو المعنى الحقيقي للمبادئ فوق الدستورية التي يطرحها مشروع السودان الجديد. فهي ليست برنامجاً سياسياً لحركة أو حزب، ولا شروطاً تفاوضية لمرحلة انتقالية، وإنما الضمانات الوحيدة المنطقية التي تمنع السودان من العودة إلى الحلقة التاريخية نفسها؛ حلقة الحرب، والتهميش، والانقلابات، وإعادة إنتاج الدولة التي فشلت طوال أكثر من سبعين عاماً في إدارة تنوعها وصناعة سلامها…
من يملك حق إنتاج السردية؟ ولماذا لا يفكر الهامش لنفسه فقط، بل للوطن كله؟
إن إحدى أكثر الظواهر لفتاً للانتباه في الخطاب السياسي لكثير من النخب السودانية اليوم ليست مجرد إعادة تعريف الهامش، بل محاولة مصادرة إنتاجه الفكري والسياسي، وبصلف وادعاء. فبدلاً من الاعتراف بأن شعوب الهامش، عبر عقود من النضال، قد طورت واحدة من أكثر الرؤى اكتمالاً لإعادة تأسيس الدولة السودانية، يجري اختزال هذا الإنتاج بوصفه خطاباً “جهوياً”، أو “قبلياً”، أو، في بعض الأحيان، “عنصرياً” بغرض التقليل منه. وهكذا تتحول الأفكار التي صيغت لمعالجة الأزمة البنيوية للدولة السودانية إلى مجرد مطالب فئوية في نظر قطاعات من النخب التقليدية…
غير أن هذه القراءة تكشف، في حقيقتها، عن أزمة في وعي المركز أكثر مما تكشف عن طبيعة مشروع السودان الجديد. فالمشروع لم ينشأ أصلاً ليجيب عن سؤال: كيف نحرر الهامش وحسب؟ وإنما عن سؤال أكثر عمقاً واتساعاً: كيف نبني دولة لا تنتج هامشاً من جديد؟
ولهذا فإن المبادئ التي صاغها مشروع السودان الجديد ليست مطالب تخص مناطق الحرب، ولا برنامجاً سياسياً لجماعة بعينها، وإنما رؤية لإعادة تأسيس الدولة السودانية نفسها. فالعلمانية ليست مطلباً دينياً للأقليات، بل شرطاً لدولة المواطنة التي تحمي حرية الجميع. والعدالة التاريخية ليست تعويضاً لإقليم معين، بل إعادة بناء للوحدة الوطنية على أساس المساواة. واللامركزية ليست امتيازاً للأقاليم، بل آلية تمنع احتكار السلطة والثروة. والجيش القومي المهني الجديد ليس مطلباً لجبال النوبة أو دارفور أو النيل الأزرق، بل ضمانة لكل سوداني ضد عسكرة الدولة. وبالمثل، فإن استقلال القضاء، وسيادة القانون، والمواطنة المتساوية، وحياد أجهزة الأمن، ليست حقوقاً للهامش، وإنما الضمانات الدستورية التي يحتاجها جميع السودانيين.
ومن هنا يكمن أحد أكبر سوء الفهم القائم علي سؤ النية في الخطاب السياسي السوداني، وهو اختزال المبادئ فوق الدستورية لمشروع السودان الجديد باعتبارها “مطالب الهامش” أو “أجندة الحركة الشعبية” التي أصبحت اجندة تأسيس. بينما تعلمنا التجارب الدستورية الكبرى أن المبادئ التي تولد من نضال الجماعات الأكثر تهميشاً لا تبقى ملكاً لها، بل تتحول إلى قواعد عامة تنظم الدولة وتحمي جميع مواطنيها، ولكن للأسف النخب غارقة في مستنقع نرجسيتها!
وهذا هو الدرس الذي قدمته حركة الحقوق المدنية الأمريكية. فعندما ناضل الأمريكيون الأفارقة من أجل المساواة، لم يكونوا يطالبون باستثناءات قانونية لأنفسهم، بل طالبوا بأن تصبح المبادئ الدستورية الأمريكية مطبقة على الجميع. ولذلك لم يصبح قانون الحقوق المدنية قانوناً للأمريكيين الأفارقة، وإنما أصبح أحد أعمدة الديمقراطية الأمريكية الحديثة، واستفاد منه المجتمع الأمريكي بأسره.
لكن الاعتراف بهذه الحقيقة يفرض على النخب السودانية الاعتراف بحقيقة أخرى أكثر إزعاجاً: أن المشروع الفكري الأكثر اكتمالاً لإعادة بناء السودان لم يخرج هذه المرة من المركز، بل من الذين ظل المركز، لعقود طويلة، ينظر إليهم بوصفهم موضوعاً للسياسة لا منتجين لها، وضحايا للتاريخ لا صناعاً له… وهذا يهز خيلاء النخب.
ولهذا تلجأ بعض الخطابات إلى حبس إنتاج الهامش داخل هويته. فلا يُناقش المشروع بوصفه مشروعاً وطنياً، وإنما يُسأل أولاً: من أين جاء؟ ومن أي إقليم خرج؟ وما هي هوية الذين صاغوه؟ وكأن قيمة الفكرة لا تقاس بقدرتها على تفسير الأزمة التاريخية للسودان أو تقديم بديل دستوري لها، وإنما بالموقع الاجتماعي والثقافي لمن أنتجها علي أهمية هذا البعد.
وهذه الآلية ليست جديدة في تاريخ علاقات الهيمنة. فقد أوضح ادورارد سعيد ان السلطة لاتكتفي باحتكار القوة،
بل تحتكر أيضاً حق تمثيل الآخر والتحدث باسمه. فالهيمنة لا تصادر صوت المهمشين فقط، وإنما تدعي أنها الأقدر على تفسير هذا الصوت، وعلى تحديد ما الذي ينبغي أن يطالب به أصحابه!
ويذهب سمير امين إلى أن المركز لا يحتكر الثروة والسلطة وحدهما، وإنما يحتكر أيضاً إنتاج المعرفة والنظرية، بينما يُختزل الهامش إلى مجرد موضوع للتفسير لا إلى منتج للمفاهيم. ومن هنا يصبح تحرير الدولة مستحيلاً ما لم يتحرر إنتاج المعرفة نفسه من احتكار المركز.
وهذا هو جوهر ما حذرت منه
Chimamanda Ngozi Adichie
في محاضرتها الشهيرة “خطر القصة الواحدة”. فالمشكلة ليست في وجود رواية عن المهمشين، وإنما في وجود رواية واحدة يكتبها الآخرون عنهم. وعندما يُختزل الهامش في صورة القبيلة، أو الحرب، أو الضحية، أو التخلف، فإن المجتمع لا يفقد فقط حقيقة الهامش، بل يفقد أيضاً القدرة على رؤية ما أنتجه من معرفة، ونظريات، ومشروعات لإعادة بناء الدولة.
James Baldwin وقد واجه مفكرو الأمريكيين الأفارقة المنطق نفسه خلال حركة الحقوق المدنية. فقد رفض
باستمرار اتهام السود بإثارة الانقسام لمجرد أنهم كشفوا حقيقة العنصرية البنيوية في المجتمع الأمريكي. وكان يرى أن الليبرالية البيضاء كثيراً ما تخلط بين كشف العنصرية وبين ممارسة العنصرية؛ فتعتبر أن تسمية الظلم تقسيم للمجتمع، بينما تعجز عن رؤية أن استمرار الظلم هو الذي يقسمه. ولهذا كتب عبارته الخالدة التي نستدل بها مرارا:
“ليس كل ما نواجهه يمكن تغييره، لكن لا شيء يمكن تغييره حتى نواجهه”
فبالنسبة لبلدوين، لم تكن المشكلة في الحقيقة، بل في الامتياز الذي يخشى الحقيقة لأنها تهدد صورته عن نفسه.
Michael Eric Dyson ويواصل
هذا النقد، موضحاً أن جزءاً من الليبرالية الأمريكية يقبل الحديث عن العدالة طالما بقيت سلطة تعريف العدالة في يده، لكنه يصبح أكثر توتراً عندما يطالب المهمشون بحقهم في إنتاج المعرفة، وتفسير واقعهم، ومساءلة السلطة الفكرية التي احتكرت، تاريخياً، تعريف الوطن وتحديد أولوياته. فجوهر الصراع، في نظر دايسون، ليس مجرد المطالبة بالمساواة، وإنما انتقال سلطة إنتاج السردية من المركز إلى الذين ظلوا موضوعاً لهذه السردية.
وهذا هو التحدي الذي يواجه السودان اليوم، وان كان نخبه لاتزال تبدع خيلاء قديما…
فمن حق شعوب الهامش، بعد عقود من الحرب والتهميش والاستعمار الداخلي، أن تسائل ليس فقط السلطة السياسية التي حكمت السودان، بل أيضاً السلطة الفكرية التي صاغت مفهوم الدولة، والوطن، والهوية، سواء كانت في الحكومة أو في المعارضة. فالهيمنة لا تمارسها الأنظمة الحاكمة وحدها؛ إذ يمكن أن تستمر داخل الأحزاب المعارضة، ومنظمات المجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، عندما تحتكر جميعها حق تعريف الأزمة والحلول، بينما تنظر إلى إنتاج المهمشين باعتباره مجرد مادة للنقاش، لا مرجعية فكرية يمكن أن يعاد بناء الدولة على أساسها.
إن الاعتراف بمشروع السودان الجديد لا يعني الاعتراف بحقوق الهامش وحدها، بل يعني الاعتراف بأن الذين وُضعوا طويلاً في موقع “الموضوع” قد أصبحوا اليوم “الذات” التي تنتج المعرفة، وتصوغ النظرية، وتقترح العقد الاجتماعي الجديد للسودان. وهذا، في جوهره، ليس انتصاراً للهامش، بل خطوة ضرورية لتحرير الدولة السودانية نفسها من احتكار السردية، ومن الاعتقاد بأن المركز وحده هو الذي يفكر للوطن، بينما يحق للهامش أن يفكر في نفسه فقط. لقد أثبتت التجربة السودانية، كما أثبتت قبلها تجربة حركة الحقوق المدنية الأمريكية، أن الأفكار التي تولد من مقاومة التهميش ليست أفكاراً للهامش، بل هي غالباً أكثر الأفكار قدرة على إعادة بناء الوطن بأكمله.
العدالة الدستورية أم إدارة الأزمة؟ لماذا تواصل النخب تأجيل أسئلة التأسيس؟
تكشف اللحظة السياسية الراهنة في السودان عن اتجاه متنامٍ داخل قطاعات من النخب السياسية والمدنية يقوم على الدعوة إلى تأجيل قضايا التأسيس الدستوري، والتركيز بدلاً من ذلك على ما يوصف بأنه “القضايا العاجلة”: وقف الحرب، والإغاثة الإنسانية، وعودة اللاجئين والنازحين، وإعادة الإعمار، وتأجيل النقاش حول العلمانية، والهوية، والعدالة التاريخية، وإعادة هيكلة الدولة والجيش، وحق تقرير المصير إلى مرحلة لاحقة.
ولا خلاف على أن حماية المدنيين، وإيصال المساعدات، وعودة اللاجئين والنازحين، تمثل أولويات إنسانية وأخلاقية لا تحتمل التأجيل. لكن الخطأ الجوهري يكمن في تقديم هذه الأولويات وكأنها بديل عن مواجهة القضايا الدستورية المؤسسة، لا جزءاً من مشروع متكامل لإعادة بناء الدولة…
وهنا تمارس النخب، بصورة واعية أو غير واعية، شكلاً من الاحتيال السياسي والفكري؛ إذ يجري تصوير النقاش حول العلمانية، والهوية، والعدالة التاريخية، بوصفه ترفاً فكرياً أو موضوعاً انقسامياً ينبغي تأجيله، بينما الحقيقة التاريخية تقول إن هذه هي القضايا نفسها التي قادت السودان إلى حروبه المتعاقبة منذ الاستقلال. فما أشعل الحرب لم يكن الخلاف على توزيع الوزارات، بل الخلاف على طبيعة الدولة، وهوية السلطة، وعلاقة الدين بالدولة، ومن يملك تعريف المواطنة، وكيف توزع السلطة والثروة بين المركز والأقاليم.
إن تأجيل أسباب الحرب لا يصنع السلام، بل يؤجل الحرب التالية للأسف!
ولهذا فإن الفارق الجوهري بين مشروع السودان الجديد ومعظم المبادرات السياسية التي عرفها السودان منذ الاستقلال هو أن تلك المبادرات انطلقت دائماً من سؤال: كيف نتقاسم السلطة؟ أما مشروع إعادة التأسيس الدستوري فيبدأ بسؤال مختلف تماماً: كيف نبني دولة لا تحتاج إلى حرب جديدة كلما اختلفت النخب على السلطة؟
وهذا ليس سؤالاً سودانياً استثنائياً، بل هو السؤال الذي واجه المجتمعات الخارجة من النزاعات في كل مكان. فقد أدركت Nelson Mandela و Albie Sachs
B. R. Ambedkar أن إنهاء الفصل العنصري لا يكفي من دون إعادة تأسيس الدولة دستورياً. وأكد
أن الدساتير لا تكتب لإدارة الحاضر، بل لمنع عودة الظلم في المستقبل، ولذلك أصر على مواجهة قضية الطبقات والتمييز
Amartya Sen عند تأسيس الدولة الهندية، لا بعد استقرارها. أما المفكر الهندي
فيرى أن العدالة لا تتحقق بتجنب الخلافات الجوهرية، وإنما بخلق مؤسسات قادرة على معالجتها علناً وعلى أساس المساواة
Paulo Freire وفي أمريكا اللاتينية، دافع
عن أن السلام الحقيقي يبدأ عندما تسمى الأشياء بأسمائها، وأن المجتمعات لا تتحرر بإخفاء التناقضات، بل بالحوار الصريح Orlando Fals Borada حول جذورها. أما
فقد رأى أن أي مشروع وطني يفقد شرعيته إذا استبعد معرفة وتجارب الفئات التي دفعت الثمن الأكبر للصراع
حين قالJames Baldwin وتتقاطع هذه الرؤى مع ما دعا إليه
“ليس كل ما نواجهه يمكن تغييره، لكن لا شيء يمكن تغييره حتى نواجهه”
فهذه ليست دعوة أخلاقية فحسب، بل قاعدة في بناء الدول. فالمجتمعات التي تخشى مواجهة أسباب أزماتها، تظل أسيرة إعادة إنتاجها.
ولهذا، فإن ما يحتاجه السودان اليوم ليس اتفاقاً جديداً على إدارة الأزمة، بل شجاعة سياسية وفكرية تضع كل قضايا التأسيس على الطاولة “لمن لم يحسموا امرهم بعد”: علاقة الدين بالدولة، والهوية الوطنية، والعدالة التاريخية، وإعادة توزيع السلطة والثروة، وبناء مؤسسة عسكرية وامنية جديدة، وطبيعة العقد الدستوري الجديد. فهذه ليست قضايا يمكن تأجيلها إلى ما بعد السلام، لأنها هي التي ستحدد ما إذا كان السلام نفسه سيستمر أم سيتحول إلى هدنة مؤقتة.
ومن هنا يبرز السؤال الأكثر عمقاً: إذا كانت هذه المبادئ تمثل الضمانات الدستورية التي يحتاجها جميع السودانيين، فلماذا تواجه مقاومة من قطاعات واسعة من النخب، بما في ذلك بعض القوى التي تصف نفسها بأنها ديمقراطية أو ليبرالية أو تقدمية أو حداثية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تكمن في السياسة وحدها، بل في العلاقة المعقدة بين السلطة والثقافة والهيمنة، وكيف يمكن للنخب أن تدافع، من حيث تدري أو لا تدري، عن البنية التي أنتجت الأزمة نفسها. وهذا ما يستدعي الانتقال إلى تحليل أعمق لطبيعة الهيمنة الثقافية وأثرها في الوعي السياسي السوداني.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)




