رأي

الفاشر تنهض من بين الركام.. شهادة من الميدان تكسر روايات التضليل

أحمد سعيد (شو) ،، الفاشر

 

أحمد سعيد (شو) ،، الفاشر 

ثمة مدن لا تُعرف من خلال ما يُقال عنها، بل من خلال ما ترويه شوارعها وأهلها ووجوه ناسها. والفاشر واحدة من تلك المدن التي لا تنصفها الشائعات، ولا تختصرها التقارير المنحازة، ولا يمكن فهم حقيقتها من خلف الشاشات.

عندما قررنا التوجه إلى مدينة الفاشر في مهمة إعلامية خاصة برفقة فريق من قناة سودان ميكس، حملنا معنا أسئلة كثيرة وصوراً ذهنية تشكلت بفعل ما ظل يتردد في بعض المنصات الإعلامية وصفحات التواصل الاجتماعي من روايات تتحدث عن مدينة أنهكتها الحرب وغادرتها الحياة. كانت التوقعات تمضي في اتجاه مدينة محاصرة بالخراب، تعيش على هامش الأمل، وتكافح للبقاء.

لكن الرحلة نفسها بدأت في تفكيك تلك الصورة المسبقة.

على امتداد الطريق، وبين التعرجات الرملية والمشاهد الطبيعية التي اكتست بالخضرة بعد موسم الأمطار، كان الأمن والاستقرار حاضرين بصورة لافتة. ومع كل كيلومتر نقترب فيه من الفاشر، كانت المسافة تتسع بين ما سمعناه وما سنراه بأعيننا.

وحين لامست عجلات السيارة أطراف المدينة، بدأت الحقيقة تتحدث بنفسها.

استقبلتنا الفاشر بوجه مختلف تماماً عن ذلك الذي حاولت بعض المنابر رسمه. مدينة تنبض بالحياة، مفعمة بالحركة، متماسكة رغم كل ما مرت به من تحديات. بدا المشهد وكأن المدينة قررت أن تواجه آثار الحرب بالإرادة والعمل والأمل، لا بالاستسلام والانكسار.

الشوارع نظيفة ومنظمة، والأسواق تعج بالمواطنين، والحركة التجارية تسير بصورة طبيعية، فيما بدت ملامح الطمأنينة واضحة على وجوه الناس. لم تكن تلك مظاهر مصطنعة أو مشاهد معدة للعرض الإعلامي، بل تفاصيل يومية تعكس واقعاً يعيشه السكان في حياتهم العادية.

الأكثر لفتاً للانتباه لم يكن العمران أو حركة الاسواق فحسب، بل ذلك التماسك الاجتماعي الذي يميز المدينة. ففي المقاهي وأماكن التجمعات والأسواق العامة، شاهدنا أبناء مختلف المكونات الاجتماعية والقبلية يجلسون جنباً إلى جنب، يتبادلون الأحاديث والضحكات ويقتسمون تفاصيل الحياة اليومية في مشهد يعكس عمق الروابط الإنسانية التي تتجاوز كل محاولات بث الفرقة والانقسام.

كانت الفاشر، في تلك اللحظات، تقدم درساً عملياً في معنى التعايش والمصير المشترك، وتؤكد أن ما يجمع أهلها أكبر من كل خطابات الكراهية والعنصرية التي يحاول البعض تسويقها.

أما على المستوى الاقتصادي، فقد لمسنا نشاطاً تجارياً واضحاً وتوفراً للسلع والاحتياجات الأساسية داخل الأسواق والمحال التجارية، وسط حالة من الاستقرار الأمني التي أسهمت في استمرار حركة البيع والشراء وانسياب النشاط اليومي للمواطنين.

وخلال وجودنا في المدينة، حظي وفدنا الإعلامي باستقبال كريم وترحيب واسع من المواطنين الذين التقيناهم في مختلف المواقع. وكان القاسم المشترك في معظم الأحاديث التي أجريناها هو التعبير عن التطلع إلى مزيد من الاستقرار والتنمية وتحسين الخدمات، إلى جانب إشادة واسعة بالجهود المبذولة لدعم الحياة المدنية وتوفير الاحتياجات الأساسية للسكان.

لقد كانت هذه الزيارة فرصة نادرة لمعاينة الواقع بعيداً عن الضجيج الإعلامي والمواقف المسبقة. وما رأيناه في الفاشر يؤكد أن الحقيقة غالباً ما تكون أكثر تعقيداً وثراءً من الصور النمطية التي تُبث من بعيد.

الفاشر اليوم ليست مدينة منكفئة على جراحها، بل مدينة تسعى إلى النهوض واستعادة دورها التاريخي ومكانتها الراسخة في وجدان السودان. مدينة اختارت أن تواجه التحديات بالإصرار على الحياة، وأن تكتب فصلاً جديداً من الصمود والأمل رغم كل الظروف.

هذه مجرد وقفة أولى من قلب المدينة.

وفي الجزء القادم، سنسلط الضوء على التجارب الاجتماعية والإنسانية التي لمسناها على أرض الواقع، وبرامج دعم المواطنين، وجهود توفير الاحتياجات الأساسية، إضافة إلى ما شهدناه من تطورات في قطاعات التعليم والصحة والخدمات العامة، لنضع بين يدي القارئ صورة أقرب إلى الواقع كما رأيناها بأعيننا، لا كما يرويها الآخرون من بعيد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!