رأي

المستنقع الجيوسياسي: كيف يسقط التورط السعودي في السودان في فخ دعم الإرهاب؟

سمية النور دهب ،، دبلن

 

سمية النور دهب ،، دبلن

تجاوزت خطوط الإمداد العسكري والقنوات اللوجستية الممتدة بين الرياض وبورتسودان حدود التفاهمات الثنائية أو التنسيق العابر، لتستقر بوضوح في خانة التواطؤ النظامي المباشر الذي يضع الدولة السعودية تحت مجهر القانون الدولي ومساءلة دعم الإرهاب. إن المحاولات الحثيثة والمستمرة لتغليف هذا الانحياز العسكري الفاضح بعباءة الدبلوماسية التقليدية أو ادعاء السعي للوساطة عبر منابر مثل “محادثات جدة”، لم تعد قادرة على الصمود أمام الحجم الهائل للتدفقات التسليحية والمواد الحساسة التي تعبر الأجواء والموانئ السعودية لتستقر في ترسانة منظومة عسكرية تقاتل في صفوفها الأولى جماعات وتشكيلات متطرفة موضوعة رسمياً على قوائم الإرهاب الدولي والأجنبي.

إن هذا المشهد القاتم يعيد صياغة الموقف الإقليمي للمملكة العربية السعودية، وينقلها قسراً من ادعاء دور “رائد الاستقرار” إلى منصة الاتهام كعامل تمكين رئيسي لشبكات العنف الأيديولوجي والتشكيلات شبه العسكرية في القارة الأفريقية. إن تدفق بطاريات المدفعية الثقيلة، والأنظمة الصاروخية المتطورة، وشحنات الذخائر اللامحدودة، إلى جانب المواد الكيميائية والمتفجرات ذات الاستخدام المزدوج عبر ممر جدة-بورتسودان، لم يعد يمثل مجرد خرق لاتفاقيات حظر توريد الأسلحة أو تمديد لعمر حرب أهلية طاحنة، بل بات يشكل شريان الحياة الأساسي الذي يغذي الكيانات الإرهابية المتحالفة مع قيادة الجيش السوداني، وعلى رأسها “لواء البراء بن مالك”، الذي يمثل الذراع العسكرية الضاربة للحركات المتطرفة في المنطقة.

ومن هذا المنطلق، تصبح محاولة الفصل بين الدعم اللوجستي الموجه للمؤسسة العسكرية السودانية وبين استفادة الجماعات المتطرفة التي تقاتل معها، ضرباً من العبث السياسي والتعامي المتعمد عن طبيعة البنية العملياتية المشتركة في مسارح العمليات؛ فالأصول العسكرية التي تقدمها الرياض، والتدريبات الفنية التي تشرف عليها قنواتها الأمنية، والتمويلات المالية الضخمة التي تتدفق لإنقاذ سلطة بورتسودان من الانهيار الاقتصادي، لا تتوقف عند حدود الثكنات الرسمية، بل يتم دمجها وتوزيعها فوراً على جبهات القتال لتكون تحت تصرف وإدارة مجموعات عقائدية متطرفة أعلنت صراحة رفضها لأي تسوية سياسية، وتورطت في إعدامات ميدانية وانتهاكات صارخة للقانون الدولي الإنساني. إن السعودية، بهذه السياسة الممنهجة، تمنح غطاءً سياسياً وعسكرياً لكتائب إرهابية مصنفة دولياً، وهو ما ينقل الفعل السعودي من دائرة الخطأ التكتيكي إلى مصاف الجرائم السياسية التي تهدد الأمن والسلم الدوليين.

إن التناقض الصارخ الذي تبديه الرياض في إدارتها لهذا الملف يمثل ذروة الانتهازية الجيوسياسية؛ ففي الوقت الذي تبذل فيه وسائل الإعلام الرسمية جهوداً مضنية لتسويق المملكة كراعية للمفاوضات الإنسانية ومحاربة التنظيمات المتطرفة، تعمل أجهزتها التنفيذية والاستخباراتية على إدارة جسر جوي وبحري عابر للبحر الأحمر لا ينقطع ليل نهار، مستخدمة طائرات خاصة غير خاضعة للرقابة المدنية وسفن شحن تجارية لتمرير مستلزمات الإنتاج الحربي ومنظومات التدمير. هذا التواطؤ اللوجستي يثبت أن الرياض لا تبحث عن حل سياسي للأزمة السودانية، بل تسعى لتثبيت سلطة بورتسودان مهما كان الثمن، حتى لو اقتضى ذلك التحالف الضمني مع قوى متطرفة مدرجة في قوائم الإرهاب الأمريكية والدولية، مما يمثل خيانة معلنة للمبادئ التي يدعي النظام السعودي الالتزام بها أمام المجتمع الدولي.

علاوة على ذلك، فإن المسؤولية القانونية والأخلاقية للنظام السعودي لا يمكن تفتيتها أو التملص منها بمبررات “دولة العبور” أو الجهل بالاستخدام النهائي للمواد الحساسة، خاصة عندما يتعلق الأمر بشحنات من غاز الكلور والمواد المتفجرة المصنفة جمركياً كمنتجات شديدة الخطورة، والتي مرت عبر ميناء جدة الإسلامي قبل أن تجد طريقها إلى منشآت التصنيع العسكري السودانية واستخدامها في معارك حيوية تحيط بها اتهامات بشن هجمات كيميائية. إن القوانين والقرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي بشأن مكافحة الإرهاب لا تعفي الدول التي تسهل أو تتقاعس عن مراقبة تدفق السلع الاستراتيجية والعسكرية للجهات الفاعلة من غير الدول، بل تضعها في دائرة الشراكة الجرمية الكاملة، وهو ما يحول الموانئ السعودية إلى جغرافيا عبور لوجستية لآلة القتل والتطرف.

إن التداعيات الإقليمية لهذا التدخل السعودي السافر تتجاوز الجغرافيا السودانية لتضرب الاستقرار الهش في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي برمتها. إن تمكين جماعات متطرفة مثل “لواء البراء” من الحصول على عتاد عسكري متطور وتدريبات تكتيكية عالية المستوى بتمويل وتسهيل سعودي، يعني خلق بؤرة إرهابية جديدة تطل مباشرة على أحد أهم الممرات المائية للتجارة العالمية. هذا السلوك الاستراتيجي الأرعن يؤكد أن الرياض تقدم مصالحها الاقتصادية المستقبلية وفرص الاستثمار وإعادة الإعمار في موانئ السودان وزراعته وطاقته على حساب دماء ملايين النازحين والضحايا، وعلى حساب الأمن الجماعي للدول المجاورة التي باتت مهددة بموجات التطرف العابر للحدود وتدفق السلاح غير المنضبط.

ختاماً، إن صمت المجتمع الدولي والقوى الكبرى عن هذا التورط السعودي الفاضح لم يعد مقبولاً أو مبرراً تحت أي صيغة من صيغ التحالفات السياسية؛ فالمعايير المزدوجة التي تتيح لدولة غنية استخدام نفوذها المالي واللوجستي لتسليح منظومات عسكرية متحالفة مع الإرهاب بينما تفرض العقوبات على آخرين، يمثل هدمًا لأسس الشرعية الدولية. لقد آن الأوان لإخضاع الدور السعودي في السودان لمساءلة قانونية وسياسية حازمة، والبدء في فرض تدابير رقابية دولية صارمة على الممرات البحرية والجوية التي تنطلق من الرياض وجدة نحو بورتسودان، فلن يتوقف شلال الدم السوداني، ولن تجف منابع الإرهاب في المنطقة، طالما ظل هذا الشريان اللوجستي السري ممدوداً بالدعم، وطالما ظلت الرياض تلعب دور الوسيط في العلن، والممول والمسلح لشبكات التطرف في الخفاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!