
بقلم: منال علي محمود
manal002002@gmail.com
في السودان، العدالة لا تتحقق بالنصوص، بل بالأهواء. قاضٍ رحيم ينجو الجاني… وقاضٍ غاضب يُعدم البريء. العقوبة هنا هوية، والبراءة سياسة، والقانون لعبة بيد الحاكم والسلطة الحاكمة.
السودان بلد غني بالموارد والبشر، لكنه يعاني أزمة قانونية حقيقية. القوانين بدل أن تحمي المجتمع وتضع حداً للفساد، صارت أدوات لإضفاء الشرعية على الظلم، وتمكين الأقوياء من الإفلات من العقاب، بينما يُحاسب الضعفاء على أبسط التهم، أحياناً بسبب نشاط سياسي أو اتهام بالتعاون مع جهة لا تروق للحاكم.
القانون السوداني هش وفوضوي مقارنة بمصر وفرنسا
القوانين السودانية غامضة، تعتمد على تقدير القاضي والسوابق غير الملزمة، ما يجعل أي حكم قابل للتأويل حسب مزاج القاضي أو النفوذ السياسي للمتهم.
في مصر، القوانين مكتوبة بالتفاصيل، والمحكمة الدستورية العليا تمنع أي تجاوز للتشريع، والقضاة مرتبطون بالسوابق الملزمة، مما يقلل الانحراف في الأحكام.
في فرنسا، القانون واضح في تعريف الجرائم والعقوبات، مع فصل صارم بين القضاء والسلطة التنفيذية، وكل قرار قضائي يخضع للمراجعة العليا.
في السودان، القوانين تتغير حسب النظام الحاكم، والتدخلات السياسية والدينية والقبلية تؤثر على استقلال القضاء، وتتداخل مع القوانين التقليدية في كثير من المناطق، ما يزيد ازدواجية العدالة.
غياب دستور قوي يحمي الحقوق الأساسية، وقضاء غير مستقل، وغياب آليات الرقابة، جعل القانون تابعاً للأشخاص، لا الأشخاص للقانون.
أمثلة واقعية: الانحراف في أحكام القضايا الاقتصادية والسياسية في السنوات الأخيرة يوضح ضعف النصوص وسوء تطبيقها.
استغلال التشوه القانوني من الإخوان والمسؤولين
القوانين الفضفاضة، مثل مواد مكافحة الفساد أو التخابر، استخدمت لتجريم المعارضين وحماية المتورطين في الفساد أو الجرائم الكبرى. نفوذ بعض المسؤولين داخل القضاء جعل المحاكم أداة حماية للشبكات المتنفذة.
المجرمون الكبار ينجون من العقاب، بينما المواطن البسيط بلا سند. هذه الوقائع أكدتها تقارير حقوقية دولية، وأظهرت أن غياب إرادة سياسية للقضاء المستقل يسمح للنفوذ بالسيطرة على نتائج المحاكم.
توالي الانقلابات وغياب دور الجيش كحامي للإنسان والأرض
شهد السودان سلسلة متكررة من الانقلابات، كل واحدة تعيد نفس المشهد سلطة جديدة، ووعود بالإصلاح، واحتكام للقوة بدل القانون. الجيش المفترض أن يكون حامي الإنسان والأرض أصبح جزءاً من الأزمة نفسها، وتحوّل دوره من حماية الدولة إلى حماية مصالح النخبة الحاكمة.
إذا كان الجيش مسيساً، تتراجع المؤسسات المدنية، ويصبح القرار السياسي والأمني رهينة للولاءات الداخلية والخارجية. الأمن يتحوّل من حماية المواطنين إلى أداة للسيطرة، والقانون يفقد سلطته على كل جهة عسكرية أو خدمية تتقاعس عن أداء واجبها. الجرائم ضد المدنيين، التدمير، والنهب، تمر دون مساءلة، بينما المواطن العادي يتحمل كامل تبعات القانون.
الإحصاءات الواقعية: خلال فض الاعتصام، قُتل ما لا يقل عن 1200 سوداني أعزل أمام قيادات الجيش. وكل ثورة أو حركة احتجاجية قام بها السودانيون على مر العصور، لم يحظ بدعم الجيش بسبب تسيسه، وغالبًا انتهت بقتل وسحل المدنيين بدلاً من حماية حقوقهم.
تدخل الجيش في السياسة والتجارة لا يضر الدولة والمواطنين فقط، بل ينَّهك الجيش نفسه القدرة التنظيمية تتراجع، الانضباط العسكري يضعف، والموارد تُستهلك في حماية مصالح النخبة بدل تطوير المؤسسة أو حماية الحدود والمواطنين.
التسييس العسكري يضعف الدولة ككل الاقتصاد ينهار بسبب غياب الاستقرار والمؤسسات المستقلة. المجتمع يفقد الثقة في الدولة والقانون، ويصبح عرضة للتفرقة والانقسام. المؤسسات التعليمية والصحية والإدارية تتعرض للتدمير أو الاستغلال السياسي.
القانون الحالي يمنح الجيش حصانة شبه مطلقة، ما يسمح باستمرار الانقلابات والتدخلات العسكرية في السياسة، ويجعل أي إصلاح حقيقي مستحيلاً دون إعادة تأسيس شامل للنظام القانوني والمؤسسي.
بين احترافية الجيش المهني والحزبي في حرب السودان
القوتان الرئيسيتان في السودان، المؤسسة العسكرية وقوات الدعم السريع، تأسستا تحت قبة البرلمان وسُميت رسميًا ضمن “المؤسسة العسكرية”، التي تشمل الجيش، قوات الدعم، والأمن نصًا ودستوريًا. قبل الحرب، تم تعديل الفقرة الخامسة من القانون، لكنه لم يغير تسميات القوات الرسمية، وإنما تناول بعض التفاصيل الإجرائية.
في المقابل، ظهور تسمية “جنجويد” جاء لاحقًا كأداة سياسية لتأصيل طرف معين، بعيدًا عن النصوص القانونية الرسمية، ما يعكس التدخل السياسي في القوة العسكرية.
لو كان الجيش مهنيًا حقيقيًا، لما انتظر الأحداث أن تتفاقم، بل كان سيبدأ فورًا تحقيقًا مسنودًا دوليًا لكشف أسباب الحرب، ومعرفة المسؤولين عنها، وحقن دماء السودانيين، كما نص الدستور في تقدميهم كأولوية وصاحب الحق في حماية المدنيين. التسييس العسكري حول هذه القوة من جهة حماية الدولة إلى أداة نفوذ حزبي، وحرم المواطنين من حقهم الأساسي في الأمن والحياة.
هذا المثال يعكس الفارق بين الجيش المهني، الذي يحمي المواطنين بالقانون والدستور، وبين الجيش المسيس، الذي يستخدم القانون لتبرير انتهاكات ويصبح طرفًا في الصراع نفسه، مما يضاعف أزمات الدولة الداخلية ويؤثر على سمعتها أمام المجتمع الدولي.
أثر رسائل العسكر على العلاقات الدبلوماسية وسمعة السودان
تسييس الجيش وتحويله من جهة خدمية إلى لاعب سياسي أضر كثيرًا بعلاقات السودان الدولية. رسائل العسكر الرسمية غير المحسوبة، سواء بالتهديد أو الادعاء بحماية الدستور أو التدخل في السياسة، تضع المجتمع الدولي أمام صورة دولة غير مستقرة، غير ملتزمة بالقانون الدولي، وقابلة لانتهاك حقوق الإنسان.
هذا الانحراف المهني يُسقط قانونيًا على سمعة السودان الدول الأجنبية والمنظمات الدولية تتردد في التعامل مع مؤسسات حكومية تعتبر جزءًا من الانقسامات الداخلية، أو مرتبطة بالانتهاكات، مما يضر بالمصالح الاقتصادية والدبلوماسية للبلاد.
كل انتهاك للحقوق المدنية والتمييز القانوني الذي يصدر عن جهات عسكرية يخلق انعكاسات مباشرة على اتفاقيات السودان الدولية، الاستثمار الأجنبي، والمساعدات الإنسانية. المجتمع الدولي يبدأ في وضع السودان ضمن دول “غير مستقرة سياسياً وحقوقياً”، ما يُضعف موقف البلاد القانوني في أي نزاع أو محكمة دولية، ويقلل من مصداقية الحكومة أمام شركائه العالميين.
العسكريون والدبلوماسية تمثيل منحرف بين الشعب والمصالح السياسية
فرض العسكريين كدبلوماسيين يجعلهم يمثلون مصالح نخبة ضيقة أو قوى سياسية خلف تعيينهم، وليس مصالح الشعب السوداني. هذه الممارسة تخلق فجوة واضحة بين ما يريده المواطنون وما يُقدَّم على الصعيد الدولي باسم السودان.
مثال واضح على ذلك كان دفاع السفير الحارث عن قوات الدعم السريع أمام المحافل الدولية في 2013، مقابل نفس القوة التي تُجرم اليوم على يد السلطات الحالية. تعطيل الدستور الذي أنشأ المؤسسة العسكرية هو سبب هذا التصادم القانوني، وعدم وجود آلية واضحة للاحتكام يجعل الفوضى القانونية والسياسية مستمرة.
المجتمع الدولي يقرأ هذه المواقف على أنها صراع داخلي بين قوتين ادعيتا الشرعية وتنافستا على المصالح، حيث تتحكم نخبة محددة بمؤسسات الدولة وتجادل من منظور حزبي ضيق لا يمثل كل السودانيين. الرسائل غير المحسوبة من العسكريين في الدبلوماسية تجعل السودان يبدو غير مستقر، غير ملتزم بالقانون الدولي، وفاقدًا للموثوقية أمام شركائه العالميين.
تأثير الدعم الخارجي تركيا وقطر وفلسفة الفوضى
دعم تركيا وقطر لحكم الإخوان في السودان أظهر تأثيرًا كبيرًا على استقرار الدولة. بينما في بلادهم، هذه الدول لا تتسامح مع الفوضى وتفرض الانضباط والسيطرة على مؤسسات الدولة، في السودان قدموا دعمًا سياسيًا وماليًا لنخبة مسيطرة على السلطة، مما ساهم في استمرار التسييس والانقسام.
هذه الممارسة الخارجية أضافت طبقة جديدة من التعقيد: القوى المحلية المستفيدة من الدعم الدولي تستغل المؤسسات العسكرية والمدنية لتحقيق مصالح ضيقة، على حساب مصلحة الشعب السوداني. المجتمع الدولي يقرأ ذلك على أنه تدخل خارجي يعزز النزاعات الداخلية ويزيد من فقدان الثقة بالقانون والدولة.
النتيجة دعم مالي وسياسي بدون مساءلة يشجع على استمرار الفوضى ويضعف مؤسسات الدولة ويجعل أي إصلاح مستقبلي أكثر صعوبة، بينما يظهر الفارق الواضح بين فلسفة النظام في بلادهم الذي لا يقبل الفوضى وفلسفة التعامل مع السودان الذي أصبح ساحة للتجارب السياسية.
حماية الدستور مسؤولية الشعب المدني وليس الجيش
في السودان، يبقى السؤال المحوري من المنوط بحماية الدستور؟ الدستور يفترض أن يكون الحامي للحقوق والمؤسسات، لكن الواقع يشير إلى العكس. كثير من أفراد الجيش يفسرون مهامهم على أنها حماية الدستور، في حين يتدخلون في إدارة السلطة المدنية، يتخذون قرارات سياسية، ويتجاوزون المؤسسات المنتخبة باسم الدفاع عن النصوص الدستورية.
هذه الممارسة تُضعف الدولة السلطة المدنية تصبح مرتهنة لتقديرات العسكري، المؤسسات المدنية تتآكل، والقانون يفقد قوته. حماية الدستور تتطلب مؤسسات قوية ومجتمع مدني واعٍ قادر على تطبيق الدستور على كل جهة، بما فيها الجيش، عند أي انحراف أو تجاوز.
الجيش جهة خدمية يجب أن يُحاسب من فيها إذا تجاوز حدود سلطته. كل محاولة لتبرير التدخل العسكري باسم حماية الدستور تجعل الدولة ضعيفة، وتحول الحقوق المدنية إلى رهينة للأهواء السياسية والنفوذ العسكري.
حماية الدستور واجب الشعب المدني والمؤسسات، لا أداة لتبرير الانقلابات أو التدخل في شؤون السلطة المنتخبة.
العدالة الانتقائية إعدام المواطن العادي مقابل إفلات الأقوياء
صدرت أحكام إعدام بحق مواطنين متهمين بالتعاون مع قوات الدعم السريع، حتى لو كان التعاون شكلياً أو سياسياً فقط، دون تقديم أدلة كافية أو محاكمة عادلة. بينما تُغلق ملفات الفساد الكبرى بسهولة لصالح المتنفذين.
القانون أصبح أداة انتقام، والناس تعيش في خوف دائم من المحاكمة، والعدالة لا تصل إلا لمن لديهم نفوذ أو ولاء سياسي.
فرض قانون الوجوه الغريبة في غياب الدستور
تصريحات المسؤولين الرسميين ضد قبائل أو مجموعات دينية لم تُستنكَر ولا تُحاسب. صمت الدولة يعمّق الانقسامات القبلية والدينية ويعيد التعامل مع البعض كأدوات وليس أفراد لهم حقوق متساوية.
تصريحات غير محاسبة تعيد السودان سنوات إلى الوراء، وتثبت أن القانون والعدالة يحميان الأقوياء فقط، بينما الضعفاء يظلون ضحايا التمييز والعنصرية المؤسسية.
القانون المطلوب مرن عادل وملزم
السودان يحتاج إلى دستور يحمي الحقوق ويعلو على الجميع، وقوانين مكتوبة بدقة تمنع التأويل العبثي، وقضاء مستقل قادر على مراجعة أي تجاوز أو محاكمة سياسية.
تنظيم القانون العرفي والمحلي وفق معايير حقوقية موحدة وإلغاء الحصانات غير المبررة يحمي المجتمع من الفساد والاستبداد.
القانون المطلوب يكون مرناً لاستيعاب التنوع القبلي والديني، وقوياً لحماية الضعفاء ومحاسبة الأقوياء، عدالة تمنح بالحق وليس بالولاء.
الخاتمة العدالة أولاً
لا سلام ولا نهضة طالما القانون لعبة بيد السلطة والنفوذ. لا مجتمع متماسك طالما القضاء أداة انتقام والمجرم المتنفذ يبتسم وهو يخرج بلا عقاب.
الإصلاح يبدأ من هنا إعادة كتابة القانون قبل إعادة كتابة التاريخ، لتصبح العدالة واقعاً يلمسه كل سوداني، صغيراً كان أو كبيراً، فقيراً أو غنياً، في الخرطوم أو في أرياف دارفور.




