
خضر كوة
في لحظات التحولات الكبرى، لا تُقاس قوة الحكومات بما تملكه من مؤسسات فحسب، بل بقدرتها على مخاطبة العالم وصياغة موقعها داخل المعادلات الإقليمية والدولية. فالتاريخ يعلمنا أن الشرعية لا تُبنى فقط في ميادين السياسة الداخلية، وإنما تُصنع أيضاً عبر الحضور الفاعل في الساحة الدولية، وعبر القدرة على تقديم رؤية واضحة للمستقبل وإقناع الآخرين بها.
ومن هذا المنطلق، تبرز وزارة الخارجية باعتبارها واحدة من أهم مؤسسات الدولة وأكثرها تأثيراً في تشكيل صورتها الخارجية والدفاع عن مصالحها وبناء علاقاتها. فهي ليست جهازاً بروتوكولياً لإدارة المراسم واللقاءات الرسمية، بل مؤسسة استراتيجية يفترض أن تقود معركة كسب التأييد السياسي، وصناعة الشراكات، وتعزيز الحضور الدولي، وبناء الجسور مع الحكومات والشعوب ومراكز التأثير في العالم.
اليوم، تقف حكومة تأسيس أمام فرصة تاريخية نادرة لإعادة تعريف السودان وتقديم مشروع سياسي جديد يقوم على السلام والعدالة والمواطنة المتساوية وسيادة القانون. غير أن أي مشروع سياسي، مهما بلغت قوة أفكاره وعدالة أهدافه، يظل محدود الأثر إذا لم يمتلك القدرة على الوصول إلى العالم والتفاعل معه وشرح رؤيته بلغة يفهمها الآخرون.
وفي عالم أصبحت فيه الرواية السياسية جزءاً من موازين القوة، لم يعد كافياً امتلاك المواقف الصحيحة، بل أصبح من الضروري امتلاك المنابر القادرة على إيصال تلك المواقف والتأثير في الرأي العام وصناع القرار. فالمعارك الحديثة لا تُحسم فقط في ساحات القتال أو غرف التفاوض، وإنما تُحسم أيضاً في وسائل الإعلام، ومراكز الأبحاث، والجامعات، والمنظمات الدولية، ومنصات التواصل الرقمي.
ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى دور أكثر حضوراً وتأثيراً لوزارة الخارجية في حكومة تأسيس. فالعالم لا ينتظر أحداً، والفراغ السياسي والدبلوماسي لا يبقى فراغاً؛ إذ سرعان ما تملؤه الأطراف الأخرى برواياتها وخطاباتها وتحركاتها. وكل يوم يمر دون حضور دبلوماسي فاعل هو مساحة إضافية تُمنح لخصوم المشروع السياسي كي يرسخوا سردياتهم ويؤثروا في اتجاهات الرأي العام الدولي.
إن المطلوب اليوم ليس مجرد الرد على الاتهامات أو متابعة ردود الأفعال، بل الانتقال إلى مرحلة المبادرة وصناعة الأجندة السياسية والدبلوماسية. فالدبلوماسية الناجحة لا تكتفي بالدفاع عن المواقف، وإنما تعمل على بناء التصورات وتقديم الحلول وطرح البدائل وقيادة النقاش حول المستقبل.
ولذلك فإن وزارة الخارجية مطالبة بتطوير خطاب سياسي ودبلوماسي متكامل يقدم للعالم رؤية حكومة تأسيس باعتبارها مشروعاً لبناء دولة جديدة تتجاوز أسباب الحروب التاريخية، وتؤسس لسلام مستدام، ونظام حكم قائم على العدالة والمشاركة والمواطنة. فالدول والمؤسسات الدولية تميل بطبيعتها إلى دعم المشاريع التي تقدم حلولاً واقعية للمستقبل، لا تلك التي تكتفي بتوصيف الأزمات أو تبادل الاتهامات.
كما أن التحديات التي تواجه السلطات القائمة في بورتسودان، والتغيرات المتسارعة في البيئة الإقليمية والدولية، تفتح نافذة مهمة أمام حكومة تأسيس لتعزيز حضورها السياسي والدبلوماسي. غير أن استثمار هذه الفرصة يتطلب عملاً منظماً وخطة واضحة وأدوات حديثة للتواصل والتأثير.
ومن الضروري أن تنطلق الوزارة نحو بناء شبكة علاقات واسعة مع الحكومات والبرلمانات والاتحاد الأفريقي والمنظمات الإقليمية والدولية، إلى جانب مراكز الدراسات والجامعات ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الإعلامية المؤثرة. فهذه الجهات أصبحت جزءاً أساسياً من صناعة القرار الدولي وتشكيل السياسات والمواقف تجاه الأزمات والنزاعات.
وفي السياق نفسه، لا يمكن تجاهل أهمية الدبلوماسية العامة ودورها المتزايد في العصر الحديث. فالتواصل مع الشعوب بات لا يقل أهمية عن التواصل مع الحكومات. والرأي العام العالمي أصبح عاملاً مؤثراً في صياغة السياسات الخارجية للدول الكبرى والمنظمات الدولية. ولذلك تحتاج وزارة الخارجية إلى الاستثمار في الإعلام السياسي الحديث، والمنصات الرقمية متعددة اللغات، وإنتاج محتوى احترافي قادر على شرح رؤية حكومة تأسيس للرأي العام العالمي بصورة واضحة ومقنعة.
كما ينبغي الاستفادة من الطاقات والخبرات الكبيرة التي يمتلكها السودانيون في المهجر، وتحويلهم إلى شركاء فاعلين في الجهد الدبلوماسي والإعلامي، بوصفهم جسوراً طبيعية للتواصل مع المجتمعات والمؤسسات التي يعيشون فيها.
إن المرحلة الراهنة تتطلب إطلاق برنامج عمل عاجل يقوم على صياغة استراتيجية واضحة للسياسة الخارجية، وتحديد أولوياتها وأهدافها، وتفعيل أدوات الدبلوماسية السياسية والاقتصادية والإعلامية، وتنظيم المؤتمرات والندوات واللقاءات الدورية لشرح رؤية حكومة تأسيس، إلى جانب إنشاء منصات إعلامية احترافية متعددة اللغات قادرة على مخاطبة العالم بفاعلية وكفاءة.
إن التاريخ يُكتب في هذه اللحظة، والدول التي تنجح في مخاطبة العالم وكسب ثقته تكون أكثر قدرة على التأثير في مسار الأحداث وصناعة مستقبلها. أما الاكتفاء بردود الأفعال وانتظار المبادرات من الآخرين، فإنه يضعف فرص الحضور والتأثير مهما كانت عدالة القضية وقوة المشروع.
إن هذه الرسالة ليست نقداً للجهود المبذولة، بقدر ما هي دعوة مخلصة لتطوير الأداء واستثمار الفرص وتعزيز الحضور الدولي لحكومة تأسيس. فالسودان يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي، وما يحتاجه هو دبلوماسية مبادرة، واثقة، وفاعلة، تمتلك القدرة على تحويل الرؤية السياسية إلى حضور دولي مؤثر، وعلى نقل تطلعات السودانيين إلى السلام والاستقرار والدولة المدنية العادلة من نطاق الحلم إلى فضاء الفعل والتأثير.
خضر كوة
كاتب وناشط سوداني




