رأي

المذكرة التي أعادت صوت السودان المدني 

ابو عبدالله الراشدي

 

ابو عبدالله الراشدي 

لم تكن المذكرة الاحتجاجية التي وقّعتها أكثر من مائة من القيادات والقوى المدنية الديمقراطية السودانية مجرّد رد فعل غاضب على بيان رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، بل شكّلت خطوة سياسية وأخلاقية محسوبة، أعادت الاعتبار لدور الفاعل المدني السوداني في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية. لقد أحسنت هذه القوى صنعًا، وهي تضع حدًا لمحاولات تمرير الانحياز تحت لافتة الوساطة، وتكشف بوضوح خطورة التعامل مع سلطة الأمر الواقع في بورتسودان بوصفها طرفًا شرعيًا أو ممثلًا لإرادة الدولة السودانية.

تكمن أهمية هذه الخطوة، أولًا، في أنها كسرت الصمت الذي غالبًا ما يُستغل لفرض وقائع سياسية جديدة باسم “البراغماتية” أو “الواقعية”. فترحيب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي بمبادرة صادرة من أحد أطراف الحرب لا يمكن عزله عن سياقه السياسي، ولا عن تأثيره العملي على مسار الصراع. إذ إن مثل هذه التصريحات تمنح شرعية مجانية لطرف متورط في الحرب، وتبعث برسالة سلبية مفادها أن موازين القوة على الأرض، لا مبادئ الحياد والقانون، هي ما يحدد موقف المنظمة القارية.

وثانيًا، تعيد المذكرة التأكيد على حقيقة قانونية وسياسية حاول كثيرون تجاوزها: وهي أن الاتحاد الأفريقي، بقراره المؤسسي، لا يعترف بأي حكومة شرعية في السودان منذ تعليق عضويته عقب انقلاب أكتوبر 2021. وعليه، فإن توصيف مبادرة بورتسودان باعتبارها صادرة عن “حكومة انتقالية” لا يمثل فقط خطأً توصيفيًا، بل يشكّل تناقضًا صريحًا مع مواقف الاتحاد نفسه، ويفتح الباب أمام تقويض منظومة قراراته من الداخل. تنبيه القوى المدنية إلى هذا التناقض ليس ترفًا سياسيًا، بل دفاعًا عن مصداقية الاتحاد الأفريقي ذاته.

أما ثالث أوجه أهمية هذه الخطوة، فيتعلق بتأثيرها المباشر على مسار الوساطات. لقد عانى السودان، ولا يزال، من تعدد منابر الوساطة وتنافسها، بصورة أضعفت فرص الوصول إلى سلام شامل. والمذكرة، حين تحذّر من الترويج لمبادرات أحادية الجانب، إنما تدق ناقوس الخطر من إعادة إنتاج الفشل ذاته الذي صاحب اتفاقيات وتسويات سابقة، قامت على تجزئة الحلول وتغليب مصالح النخب المسلحة على حساب جذور الأزمة. إن رفض هذا النهج الآن هو محاولة استباقية لمنع شرعنة مسار سياسي مختل منذ بداياته.

كما أن المذكرة تحمل بعدًا رمزيًا بالغ الأهمية، يتمثل في تذكير الاتحاد الأفريقي بأن القوى المدنية السودانية ليست غائبة ولا هامشية، بل هي صاحبة تاريخ طويل في مقاومة الاستبداد والانقلابات، منذ ثورة ديسمبر المجيدة وحتى اليوم. فالموقّعون لا يمثلون أنفسهم فقط، بل يعبّرون عن قطاع واسع من المجتمع السوداني، قدّم التضحيات، وراكم الخبرة، ولا يقبل أن يُختزل صوته أو يُتجاوز باسم التوازنات الإقليمية أو الحسابات السياسية الضيقة.

وتبرز أهمية الخطوة أيضًا في بعدها الأخلاقي؛ إذ وضعت القوى المدنية الاتحاد الأفريقي أمام اختبار حقيقي: هل يكون “صوت الشعوب لا الأنظمة” كما يعلن في مواثيقه، أم يتحول إلى منصة تمنح الغطاء السياسي للانقلابات والحروب؟ هذا السؤال لا يخص السودان وحده، بل يمتد إلى مجمل الفضاء الأفريقي، حيث تراقب الشعوب أداء مؤسساتها القارية، وتقيس مدى التزامها بالقيم التي تأسست عليها.

ولا يقل عن ذلك أهمية، أن هذه المذكرة تؤسس لمسار جديد في التعاطي مع المنظمات الإقليمية والدولية، يقوم على المبادرة لا الانتظار، وعلى الفعل السياسي المنظم لا ردود الأفعال المتفرقة. فهي تفتح الباب أمام توسيع دائرة الضغط المدني، وبناء تحالفات أوسع، إقليمية ودولية، ترفض شرعنة الحرب، وتدفع باتجاه حل شامل يعالج جذور الأزمة السودانية: أزمة الدولة، والسلطة، والعدالة، وتقاسم الثروة.

في المحصلة، لم تكن هذه المذكرة مجرد احتجاج على بيان، بل إعلان موقف، واستعادة لدور، وتأكيد على أن معركة السودان ليست فقط في ميادين القتال، بل في فضاءات الوعي والسياسة والشرعية. لقد أحسنت القوى المدنية السودانية حين وقّعت، لأنها قالت ما يجب أن يُقال في الوقت المناسب، ووضعت حجر أساس لرفض أي مسار يُراد له أن يمرّ فوق دماء السودانيين ومعاناتهم، باسم سلامٍ زائف أو حيادٍ منقوص.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!