رأي

دولة السودان الجديد تبدأ من تفكيك إرث الهيمنة وتأسيس خارج أسوار الماضي

نجم الدين دريسة 

 

نجم الدين دريسة 

أي مشروع لا يعالج جذور الأزمة محكوم عليه بإعادة إنتاجها بصورة أسوأ واكثر كارثية 

مشروع التغيير الحقيقي يبدأ من الاعتراف بأن الدولة القديمة استنفدت قدرتها على إنتاج الاستقرار. فقد أخفقت في بناء مواطنة متساوية، وعجزت عن تحويل التنوع إلى مصدر قوة، واستخدمت المؤسسات العامة لحماية الامتيازات بدلاً من خدمة المجتمع. ولم يكن العنف الذي انفجر في البلاد حادثاً منفصلاً عن هذا التكوين، بل نتيجة منطقية لدولة ظلت تعالج الأسئلة السياسية بالقوة، وتواجه المطالب المشروعة بالتسويف، وتستبدل الحوار بإدارة الأزمات حتى تحولت الأزمات إلى نظام حكم دائم.

إن تأسيس الدولة على أسس جديدة يقتضي الانتقال من دولة الوصاية إلى دولة الشراكة. المواطن ليس تابعاً ينتظر ما تمنحه السلطة، بل صاحب حق أصيل في صنع القرار ومراقبة المؤسسات ومحاسبة القائمين عليها. والسيادة لا تستقر في القصور والمكاتب، وإنما تنبع من الإرادة الحرة للناس، ومن قبولهم بالقواعد المنظمة للحياة العامة. لذلك يجب أن يكون الدستور عقداً حقيقياً بين المواطنين، لا وثيقة تصوغها النخب ثم تطلب من المجتمع التصفيق لها.

ولا معنى لهذا العقد ما لم يقم على المواطنة الكاملة دون تمييز. فالدولة التي تفرّق بين مواطنيها بسبب الدين أو العرق أو اللغة أو الجهة تحمل في داخلها بذور الصراع، مهما رفعت من شعارات الوحدة. المساواة ليست عبارة أخلاقية تزين الخطب، بل نظام حقوق وفرص وضمانات. وهي تعني أن تكون الوظيفة العامة مفتوحة بالكفاءة، وأن يصل التعليم والصحة والعدالة إلى الجميع، وأن يشعر الإنسان بأن القانون يحميه بالقدر نفسه الذي يحمي به غيره.

ومن هنا تبرز ضرورة حياد الدولة تجاه الأديان والمعتقدات. فالحياد لا ينتقص من مكانة الدين، بل يصونه من الاستغلال السياسي، ويحمي المؤمن وغير المؤمن من الإكراه والتمييز. عندما تتبنى الدولة عقيدة بعينها، فإنها تمنح أصحابها امتيازاً ضمنياً، وتحوّل المجال العام إلى ساحة تنازع حول من يملك حق الحديث باسم المقدس. أما الدولة المحايدة فتجعل القانون مرجع الجميع، وتضمن حرية الضمير والعبادة، وتمنع تحويل الإيمان إلى وسيلة للهيمنة.

كما يتطلب البناء الجديد إعادة تنظيم علاقة المركز بالأقاليم. فاللامركزية ليست توزيعاً شكلياً للمناصب، ولا إنشاء مستويات إدارية بلا صلاحيات، وإنما نقل حقيقي للسلطة والموارد إلى المجتمعات المحلية. يجب أن تمتلك الأقاليم حق تحديد أولوياتها، وإدارة مواردها، وبناء مؤسساتها، واختيار قياداتها عبر آليات ديمقراطية واضحة. فالدولة التي تحتكر القرار في مركز واحد تخلق شعوراً دائماً بالغربة لدى بقية البلاد، وتدفع المجتمعات إلى البحث عن الحماية خارج المؤسسات الوطنية.

وتتصل بذلك قضية العدالة في توزيع الثروة. لقد ظلت مناطق الإنتاج في السودان من أكثر المناطق فقراً، بينما انتقلت عائدات مواردها إلى شبكات محدودة من النفوذ. ولا يمكن الحديث عن دولة مستقرة إذا بقيت الثروة منفصلة عن حقوق المجتمعات التي تنتجها. المطلوب نظام مالي شفاف يحدد نسباً عادلة للأقاليم، ويضمن توجيه الموارد إلى التعليم والصحة والبنية الأساسية، ويخضع العقود والإنفاق العام للرقابة والمحاسبة.

أما المؤسسة العسكرية، فلا بد أن يعاد تعريف موقعها داخل الدولة. الجيش المهني لا يحكم، ولا يملك الشركات، ولا ينافس المواطنين في الاقتصاد، ولا ينحاز إلى حزب أو جماعة. مهمته حماية الحدود والنظام الدستوري، ويخضع لسلطة مدنية منتخبة، ولموازنة معلنة، ولرقابة مؤسسية صارمة. إن بقاء السلاح خارج القانون يجعل أي دستور هشاً، ويحوّل السياسة إلى امتداد لموازين القوة، بدلاً من أن تكون مجالاً للتنافس السلمي حول البرامج.

ولا يمكن تأسيس دولة عادلة من دون قضاء مستقل. فالقانون يفقد قيمته حين يصبح أداة في يد السلطة، أو حين تُشترى العدالة بالنفوذ والمال. استقلال القضاء يعني ضمان تعيين القضاة وترقيتهم بعيداً عن التدخل السياسي، وتوفير الموارد التي تمكّن المحاكم من أداء دورها، وإنشاء مؤسسات رقابية قادرة على مكافحة الفساد وحماية الحقوق. المواطن الذي لا يجد باباً للإنصاف سيفقد ثقته في الدولة، وربما يبحث عن عدالته بوسائل تهدد المجتمع كله.

ويحتل إصلاح الخدمة المدنية موقعاً مركزياً في مشروع التغيير. فالدولة لا تُبنى بالشعارات، وإنما بموظفين أكفاء ومؤسسات تعمل وفق قواعد واضحة. ينبغي إنهاء التعيين على أساس الولاء والمحاصصة، واعتماد المنافسة والجدارة، وإعادة تدريب الكوادر، وتطوير نظم الإدارة الرقمية، وتبسيط الإجراءات. الخدمة العامة يجب أن تكون جسراً بين المواطن والدولة، لا متاهة للإذلال والفساد وابتزاز الاحتياجات.

كذلك يحتاج الاقتصاد إلى تحول يضع الإنسان في مركز السياسات. النمو الذي تتكدس ثماره في أيدي قلة لا يصنع استقراراً، والاستثمار الذي يهدم البيئة ويهجر المجتمعات ليس تنمية. المطلوب اقتصاد منتج ينهض بالزراعة والصناعة والخدمات، ويدعم المشروعات الصغيرة، ويوفر فرصاً للشباب والنساء، ويربط الموارد المحلية بسلاسل قيمة داخلية. كما يجب بناء نظام ضريبي عادل، ومكافحة التهريب والاحتكار، وإخضاع المال العام لمعايير صارمة من الشفافية.

ولا يستقيم هذا المشروع من دون تعليم يعيد بناء الإنسان. المدرسة ليست مكاناً لحفظ المعلومات فقط، بل فضاء لتكوين المواطن القادر على التفكير والنقد واحترام الاختلاف. يجب أن تعكس المناهج تعدد تاريخ السودان وثقافاته، وأن تتحرر من خطاب التفوق والإقصاء، وأن تزرع قيم المسؤولية والعمل والتسامح. كما ينبغي ربط التعليم بحاجات المجتمع والاقتصاد، حتى لا تتحول الشهادات إلى أوراق معلقة فوق جدار البطالة.

ويجب أن تكون العدالة الانتقالية جزءاً أصيلاً من عملية التأسيس. لا يمكن مطالبة الضحايا بنسيان ما جرى، ولا بناء مصالحة على إنكار الألم. المطلوب كشف الحقيقة، وتوثيق الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها عبر محاكمات عادلة، وتعويض المتضررين، وإصلاح المؤسسات التي شاركت في القمع. المصالحة لا تعني الإفلات من العقاب، بل تعني تحويل الذاكرة من وقود للانتقام إلى ضمانة تمنع تكرار المأساة.

كما أن مشاركة النساء والشباب ليست بنداً تجميلياً. فهؤلاء يمثلون أغلبية المجتمع، وقد تحملوا العبء الأكبر من الحرب والانهيار. إشراكهم يعني منحهم مواقع فعلية في التشريع والتنفيذ والإدارة المحلية، وفتح المجال أمام مبادراتهم الاقتصادية والاجتماعية، وحمايتهم من العنف والتمييز. الدولة التي تُقصي نصف مجتمعها، أو تعامل الشباب كجمهور للخطابات، تحكم على نفسها بالجمود.

لكن أخطر ما يهدد أي تأسيس جديد هو إعادة إنتاج العقل القديم داخل المؤسسات الجديدة. فقد تتغير النصوص وتبقى الممارسات، وتتبدل الشعارات ويستمر الاحتكار. لذلك يحتاج السودان إلى ثقافة سياسية جديدة ترفض تقديس الزعماء، وتقبل تداول السلطة، وتحترم المعارضة، وتضع المصلحة العامة فوق الولاءات الضيقة. لا يمكن بناء دولة حديثة بعقلية الغنيمة، ولا تحقيق الاستدامة بسياسات يومية لا ترى أبعد من بقاء الحاكم.

إن الاستدامة تعني أن تكون المؤسسات أقوى من الأشخاص، والقواعد أعلى من الرغبات، والحقوق محمية من تقلبات السياسة. وتعني أيضاً إدارة الموارد الطبيعية بما يحفظ حق الأجيال القادمة، وبناء مدن قابلة للحياة، وتطوير الزراعة والمياه والطاقة وفق رؤية طويلة المدى. الدولة العادلة ليست فقط التي تنصف الحاضر، بل التي لا تسرق المستقبل.

السودان أمام فرصة لإعادة كتابة علاقته بذاته. ليست المهمة سهلة، لكنها ممكنة متى توافرت الإرادة والوضوح والتنظيم. المطلوب ليس وعداً جديداً، بل هندسة شاملة لدولة ترى جميع مواطنيها، وتسمع أصواتهم، وتوزع القوة بينهم، وتحول التنوع من ساحة تنازع إلى قاعدة للثراء الوطني. إن النجاح لن يقاس بجمال الوثائق، وإنما بقدرة الناس على الشعور بأن حياتهم أصبحت أكثر أمناً وكرامة وفرصاً.

مشروع التغيير ليس طريقاً إلى السلطة، بل طريق إلى الدولة. والفرق بينهما هو الفرق بين من يريد امتلاك المؤسسات ومن يريد تحريرها لخدمة المجتمع. فإذا تأسست الدولة على المواطنة والعدالة واللامركزية وسيادة القانون، فإنها ستملك القدرة على الصمود أمام الأزمات. أما إذا اكتفت بإعادة ترتيب الوجوه، فستظل تحمل أسباب انهيارها في داخلها. وهذه هي لحظة الاختيار: بناء وطن جديد، أو استمرار الدوران داخل أنقاض القديم. بإرادة واعية ومسؤولية تاريخية مشتركة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!