استخدام الأسلحة الكيماوية في حرب 15 أبريل : فضيحة أخلاقية وانحدار إلى قاع الجريمة.
د. دقاش حسب الله دقاش

د. دقاش حسب الله دقاش
منذ صبيحة الخامس عشر من أبريل للعام 2023 والشعب السوداني يرزح تحت وطأة حرب لم يخترها ولم يكن طرفا فيها وإنما فرضت عليه فرضا باسم الصراع على السلطة وإعادة ترتيب المشهد العسكري والسياسي وقد تحولت العاصمة الخرطوم ومعها مدن عديدة إلى ساحات قتال مفتوحة وانهارت مؤسسات الدولة وتهجر الملايين وسقط الآلاف بين قتيل وجريح ولكن الأخطر من الدمار المادي والانهيار الاقتصادي هو ما بدأت تتواتر بشأنه الأنباء والتقارير عن استخدام أسلحة كيماوية ومحرمة دوليا في مناطق مكتظة بالمدنيين العزل فإذا صحت هذه الأنباء ولو بنسبة شك فإننا نكون أمام لحظة انهيار أخلاقي كامل لا يمكن تبريرها بأي ذريعة سياسية أو عسكرية ولا يمكن السكوت عنها لأنها تمثل تجاوزا للخط الأحمر الأخير في قوانين الحرب وأعراف الإنسانية.
والحديث عن السلاح الكيماوي ليس حديثا عن سلاح تقليدي يمكن التحكم في مداه أو أثره وإنما هو حديث عن سلاح إبادة جماعية بالمعنى الحرفي فهو لا يفرق بين المقاتل والمدني ولا بين الرجل والمرأة ولا بين الشيخ والطفل الرضيع ولا بين الإنسان والحيوان والشجر وهو يعمل على خنق الضحايا وحرق أجسادهم من الداخل وتدمير الجهاز العصبي وإحداث تشوهات وراثية تمتد لسنوات طويلة بعد انتهاء المعركة كما أنه يلوث الماء والهواء والتربة ويحول المدن والأحياء إلى مناطق غير قابلة للحياة لعقود قادمة ولهذا السبب تحديدا أجمعت البشرية بعد تجارب مؤلمة في الحرب العالمية الأولى وفي حلبجة وفي الغوطة على تحريم الأسلحة الكيماوية تحريما قاطعا واعتبرتها جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم.
والسودان ليس غريبا عن هذا الإجماع العالمي بل كان من الدول التي بادرت بالتوقيع على اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية في الثالث عشر من يناير للعام 1993 ثم صادق عليها في الرابع والعشرين من مايو للعام 1999 وبذلك أصبح ملزما قانونا وأخلاقا بعدم إنتاج هذه الأسلحة أو تخزينها أو نقلها أو استخدامها أو حتى التهديد باستخدامها كما أنه ملزم بالتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيماوية التي تتخذ من لاهاي مقرا لها وتعد الذراع التنفيذية للاتفاقية كما أن السودان طرف في اتفاقيات جنيف الأربع للعام 1949 وفي البروتوكولين الملحقين بها وهذه الاتفاقيات تحظر استهداف المدنيين بأي وسيلة وتجرم الهجمات العشوائية التي لا تميز بين العسكريين وغير العسكريين فضلا عن أن السودان موقع على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية والذي يضع استخدام الأسلحة الكيماوية ضمن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة بصفتها جرائم حرب.
ومع اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل والتي بدأت كخلاف بين مكونين عسكريين على مستقبل الدمج والهيكلة تحولت سريعا إلى حرب شاملة دارت رحاها في الأحياء السكنية وفي محيط المستشفيات والمدارس والأسواق وفي هذا السياق بدأت تظهر شواهد مقلقة تمثلت في ورود حالات إلى المستشفيات الميدانية والمراكز الصحية تعاني من أعراض غير مألوفة مثل الاختناق المفاجئ وضيق التنفس الشديد والحروق الجلدية التي لا تتناسب مع طبيعة الانفجارات التقليدية ومن بين هذه الحالات ما ورد من شمال دارفور قرية غرير إدارة الناظر محمدين زعيم تلال الشمال وكذلك التشنجات العصبية وفقدان الوعي كما تحدث مواطنون عن شم روائح غريبة وخانقة وعن سحب دخان ذات ألوان غير معتادة عقب بعض عمليات القصف وانتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي صور ومقاطع فيديو تحدثت عن استخدام مواد غير تقليدية وشوهد نفوق الحيوانات وموت الأسماك وتلوث مياه النيل إلى اليوم لا يوجد تقرير فني دولي نهائي قاطع يؤكد أو ينفي بشكل بات ولكن مجرد وجود شكوك قوية ومؤشرات طبية وميدانية حول استخدام الكيماوي تستدعي فتح تحقيق دولي فوري لأن الصمت على مثل هذه الشبهات هو مشاركة في الجريمة.
إن استخدام الأسلحة الكيماوية فضيحة أخلاقية قبل أن يكون جريمة قانونية لأن الضحية الأولى ليست القوات المسلحة النظامية وإنما هو الطفل النائم في بيته والمرأة المريضة والعجوز الذي لا يستطيع الحركة فهؤلاء لا يملكون خيار الهرب ولا خيار المواجهة وهم يدفعون الثمن الأكبر كما أن الكارثة لا تتوقف عند لحظة القصف بل تمتد إلى المستقبل حيث تتحول الأراضي الزراعية إلى أراض مسمومة وتصبح المياه الجوفية ملوثة وتنتشر أمراض السرطان والتشوهات الخلقية وأمراض الجهاز التنفسي بين الأجيال القادمة وبذلك نكون قد حاربنا اليوم وسممنا الغد كما أن اللجوء إلى الكيماوي يمثل خيانة صريحة لقيم المجتمع السوداني القائمة على النخوة وإغاثة الملهوف وحماية الضعيف فأي نخوة تلك التي تقتل بالغدر وأي شجاعة تلك التي تستهدف من لا سلاح له ومن لا ذنب له.
ومن الناحية القانونية فإن المسؤولية لا تسقط ولا تتجزأ فهي تقع على من أصدر الأمر وعلى من نفذه وعلى من خطط وعلى من علم وسكت ولم يبلغ فالقانون الدولي الإنساني لا يعترف بما يسمى طاعة الأوامر كمبرر لارتكاب جرائم الحرب كما أن القيادة التي تلجأ إلى الأسلحة الكيماوية تكون قد وضعت نفسها خارج إطار الشرعية الوطنية والدولية معا وهي بذلك تعلن أنها لم تعد جيشا وطنيا محترفا وإنما تحولت إلى تشكيل لا يتقيد بأي ضوابط.
إن الثمن الذي سيدفعه السودان إذا ثبت استخدام الكيماوي باهظ جدا فهو ثمن صحي يتمثل في أجيال من المرضى وثمن بيئي يتمثل في تدمير البيئة لعقود وثمن نفسي يتمثل في كسر هيبة الدولة وهيبة القانون في وجدان المواطن وثمن دولي يتمثل في عزلة سياسية وعقوبات ومساءلات أمام المحافل الدولية والسودان اليوم لا يحتمل أي كارثة جديدة فوق كوارث الحرب والنزوح والجوع والانهيار.
لذلك فإن المطلوب الآن موقف وطني واضح لا لبس فيه أولا الإعلان الصريح يرفض رفضا قاطعا استخدام أي أسلحة محرمة دوليا بما فيها الأسلحة الكيماوية ثانيا الدعوة الفورية لتحقيق دولي مستقل برعاية الأمم المتحدة وبمشاركة منظمة حظر الأسلحة الكيماوية للوصول إلى المناطق المشتبه بها وفحص العينات الطبية والبيئية ثالثا فتح المستشفيات والمراكز العلاجية أمام الخبراء دون قيود رابعا إنشاء صندوق وطني عاجل لرعاية المتضررين وتقديم العلاج والدعم النفسي لهم خامسا إعلان المناطق التي يشتبه بتأثرها مناطق كوارث بيئية وصحية والعمل على تطهيرها سادسا تقديم كل من تثبت مسؤوليته للعدالة سواء كانت عدالة وطنية أو دولية لأن الإفلات من العقاب هو الذي يشجع على تكرار الجريمة.
في الختام أقول إن السودان وطن عظيم وتاريخه أكبر من أن يختزل في صراع سلطة عابر ومن يعتقد أن السلاح الكيماوي يمكن أن يحسم معركة فهو واهم لأنه بذلك يكون قد خسر المعركة وخسر الحرب وخسر الوطن وخسر التاريخ كنا نأمل أن تكون حرب الخامس عشر من أبريل درسا قاسيا في فشل الحلول العسكرية وانتصارا لفكرة الحوار الوطني ولكننا لا نريدها أن تتحول إلى درس في انهيار الأخلاق وفي سقوط الإنسان إلى الحضيض.
الدم السوداني غال والكرامة الوطنية أغلى من أي نصر عسكري زائف والتاريخ لا يرحم من يلوث أرضه بدم الأبرياء ومن يسمم هواء أبنائه
الموافق 16 يوليو 2026م




